بقلم: عميد مهندس بالدفاع الجوي _ م.حسام شلبي
يُعد الثلاثون من يونيو علامة فارقة في تاريخ العسكرية المصرية، فهو يوم قوات الدفاع الجوي المصرية، أحد أفرع القوات المسلحة التي سطّرت صفحات من البطولة والعلم والإرادة منذ أعقاب نكسة يونيو 1967 وحتى يومنا هذا. فبعد النكسة وما كشفته من تحديات خطيرة في مجال الدفاع الجوي، اتخذت القيادة المصرية قرارًا استراتيجيًا بإنشاء قوات الدفاع الجوي كفرع مستقل، لتتولى مسؤولية حماية سماء الوطن وتأمين القوات والمنشآت الحيوية ضد الهجمات الجوية المعادية. ومنذ تلك اللحظة بدأت ملحمة بناء منظومة دفاع جوي متكاملة في ظروف بالغة الصعوبة، مستندة إلى العلم والتخطيط والتدريب والانضباط.
وخلال حرب الاستنزاف، لعبت قوات الدفاع الجوي دورًا حاسمًا في تغيير ميزان القوى الجوية. وقد تُوج هذا الجهد بإنشاء “حائط الصواريخ” الذي تقدم تدريجيًا نحو قناة السويس رغم الغارات المكثفة، حتى تحقق في 30 يونيو 1970 إسقاط عدد من الطائرات المعادية وإجبار العدو على إعادة حساباته، ليصبح هذا اليوم عيدًا لقوات الدفاع الجوي المصرية تخليدًا لذلك الإنجاز التاريخي.
وفي حرب أكتوبر 1973، أثبتت قوات الدفاع الجوي كفاءتها العالية، حيث وفرت مظلة حماية فعالة للقوات المصرية أثناء العبور والقتال، وأسهمت في الحد من فاعلية التفوق الجوي المعادي، لتصبح أحد أهم عوامل النجاح العسكري في الحرب. وعلى مدار العقود التالية، واصلت مصر تطوير منظومتها الدفاعية وفق مبدأ تنويع مصادر السلاح وعدم الاعتماد على دولة واحدة. وتُعد منظومة الدفاع الجوي المصرية اليوم من أكثر المنظومات تعقيدًا وتنوعًا في المنطقة، حيث تجمع بين رادارات وأنظمة قيادة وسيطرة وصواريخ ومدفعية دفاع جوي من مدارس تكنولوجية متعددة شرقية وغربية، وهو ما يتطلب مستوى عاليًا من الكفاءة الفنية والتكامل العملياتي.
وقد نجحت مصر في دمج أنظمة مختلفة المنشأ داخل شبكة قيادة وسيطرة موحدة، وهو تحدٍ عسكري وتقني بالغ الصعوبة لا تتمكن من تحقيقه إلا الدول التي تمتلك خبرات بشرية وفنية متقدمة. كما واصلت تحديث ترسانتها الدفاعية بما يواكب التطور المتسارع في تهديدات الطائرات الحديثة والطائرات دون طيار والصواريخ الموجهة. ويؤكد العديد من الخبراء العسكريين أن قوة الدفاع الجوي المصري لا تكمن فقط في امتلاك السلاح المتطور، بل في كفاءة العنصر البشري المصري القادر على تشغيل وصيانة وإدارة منظومات متنوعة ومعقدة بكفاءة عالية. وقد حظيت القوات بإشادة واسعة من خبراء عسكريين دوليين نظرًا لقدرتها على بناء شبكة دفاعية متدرجة الطبقات ومتعددة الوسائط، تجمع بين الرصد والإنذار والاشتباك الإلكتروني والصاروخي والمدفعي.
الجزء الثاني… في العدد القادم.












