كتب نسرين شوقى
لا شيء يكسر الروح مثل ذلك الخبر الذي يأتينا فجأة، ليعلن أن قلباً كان ينبض بجوارنا قد قرر التوقف للأبد، ليس لأن العمر انتهى، بل لأن القدرة على الاحتمال هي التي نفدت. نحن نعيش في عالم مزدحم بالأجساد، لكنه قفر من الأرواح التي تشعر ببعضها، نمر بجانب المتعبين كل يوم، نرى انطفاء أعينهم، ونسمع نبرة اليأس في ضحكاتهم الباهتة، لكننا نختار أن ننشغل بضجيج أيامنا، ونؤجل “الطبطبة” إلى حين ميسرة، ولا ندرك أن الميسرة قد لا تأتي أبداً. إن هؤلاء الذين يرحلون في صمت لم يختاروا الموت حباً فيه، بل هربوا من حياة لم يجدوا فيها صدراً يتسع لأوجاعهم، هربوا من صقيع الوحدة ومن ثقل الكلمات التي بقيت حبيسة حناجرهم لأنهم خافوا أن يُقال عنهم “ضعفاء” أو “مبالغون”. الكارثة الكبرى هي أننا نتحول جميعاً إلى قديسين ومحبين حين يسقطون، نتسابق في رثائهم، ونكتب عن طيبتهم، ونبكي بحرقة في عزائهم، ونحن الذين بخلنا عليهم بلمسة حانية أو مكالمة تسأل بصدق “هل أنت بخير؟” وهم بيننا. ما نفع الدموع حين تبلل تراباً، وكان بإمكانها أن تبلل جفاف قلبٍ وهو حي؟ إننا جميعاً شركاء في هذا الرحيل المر حين نغلق أبوابنا خلفنا ونكتفي بسلامٍ بارد، حين نرى علامات الانهيار على وجوه أحبتنا ونمررها وكأنها عارض صحي سيزول. الحقيقة الموجعة هي أن الندم لا يحيي ميتًا، والاعتذار المتأخر هو مجرد محاولة بائسة لتخفيف ذنبنا نحن، لا ألمهم هم. لنكن رحماء ببعضنا الآن، في هذه اللحظة، لنطبطب على الأكتاف المثقلة قبل أن تنهار، ولنحتضن الضعف قبل أن يتحول إلى انتحار. لا تتركوا أحداً يقاسي عتمته وحيداً، فربما تكون كلمة واحدة، أو “طبطبة” صادقة، هي الجدار الأخير الذي يمنعهم من السقوط في الهاوية، فليس هناك وجع يضاهي وجع أن ننظر إلى مقعدٍ فارغ ونعلم يقيناً أننا كان بإمكاننا أن نملأه بالحب، لكننا انتظرنا حتى فات الأوان.












