الكاتب الدكتور محمد خير عواد
في سجلات الخالدين، لا تُكتب الأسماء بالمداد، بل تُحفر بالرصاص على جدران الذاكرة، وبأبيات الشعر في صدور الأحرار. هكذا كان جلال عبد العزيز حسين؛ القامةُ التي تقفُ في وجهِ الغطرسة، لا بكلماتٍ منتقاة فحسب، بل بشعرٍ ارتجاليٍّ يتدفق كالسيل، يبني على القافية صروحاً من الحكمة والمواقف، وكأن الكلمة عنده طوعُ يمينِه، تخرجُ منه لتصيبَ الحقَّ في مقتل.
لقد انطلق من رحمِ الانفجار الأول، من “بيت فجار”؛ ذلك البيت الذي كان شاهداً على الصمود حين نُسفَ كأولِ بيتٍ في الضفة الغربية، فما زادته النار إلا صلابة. تربى في مدرسة الفداء، يتفيأ ظلال أخيه، اللواء الأسطوري كايد يوسف عبد العزيز حسين، قائد كتيبة “أبو يوسف النجار”، فتشرب منه لغةَ العزيمة. ومنذ أن كان طفلاً في الثامنة من عمره، حمل على كتفيه الصغيرين أمانة “الماء” ليروي عطش الثوار في “حرب أيلول”، ثم التحق في السادسة عشرة من عمره بقوات “بدر” الفلسطينية الخاصة، حاملاً رتبة “رائد” بامتياز الميدان، لا بامتياز المكاتب.
لقد شهد جلال أهوال “بيروت 82″، وذاق مرارة أن يُعلن “شهيداً” ويُقام له بيت عزاء وهو لا يزال حياً، ليعود من قلب الركام شاهداً على فشلِ محاولاتهم في تغييب صوته. وبعد رحلةٍ طويلة من المنافي بدأت عام 1991 بكرت زيارة، ظل صامداً في أرضه حتى نال لم الشمل في 2008.
ومع كل هذه الأوسمة في جبهات القتال، رفض جلال أن يغمد قلمه أو يبيع مبادئه؛ فقد أبى الانضمام لأي سلطة، واختار الحياة البسيطة والمتعففة، بعيداً عن أضواء المناصب الزائفة. لقد كان “شاعر الثورة” الذي يرتجل القصيد في كل محفل، وجابت كلماته المحافل الدولية. وستظل قصيدته الملحمية “ابتعد عن السياسة” شاهداً على عبقريةٍ أدبيةٍ لم تعرف المهادنة، بل كانت صرخةَ حقٍ نال بفضلها استحقاق لقب “سفير الفن” عام 2021، مؤكداً للعالم أن صاحب الحق يظل شامخاً بكلمته كما هو شامخٌ ببندقيته.
في السابع والعشرين من مارس عام 2025 (الموافق 27 رمضان 1446هـ)، ترجل الفارس عن صهوة الحياة في ليلة القدر، صائماً وفي أطهر لحظات السنة، حين ارتفع نداء الأذان معلناً الإفطار، فكان صعود روحه أسمى إفطارٍ لروحٍ طالما صامت عن ذل الخنوع.
وعندما واجه الموت، لم يأتِ مستأذناً، وحين سُئل عن الخوف، قذف في وجوه العالم بكلمةٍ جعلت الموت يبدو كأنه غبارٌ تحت قدميه: “من يخاف الموت وهو إنسانٌ مسلم ويخاف الله؟”.
لقد عاش جلال عبد العزيز حسين شوكةً في حلوقِ من أرادوا كسر إرادة شعبه، ومات كأمةٍ في رجل. جنازته التي ضجت بها فلسطين والأردن في يوم الجمعة المبارك، لم تكن مجرد وداع، بل كانت رسالةً أخيرة: إنكم قد تهدمون البيوت، لكنكم لن تهدموا الرجال الذين لا يركعون إلا لله.
سيبقى اسم “جلال” محفوراً في صخر فلسطين، وسيبقى ذكره كابوساً يؤرق كل من ظنّ يوماً أن بإمكانه محو أثرِ الأحرار، وحسبنا من سيرته ما عرفناه، وما خفي منها أشدُّ وطأةً وأعظمُ قدراً.












