بقلم : د. وليد صبحي _ للإرشاد النفسي والأسري
لكي يكونوا مؤهلين لإنجاب أطفال أسوياء..
في كثير من الأحيان، يندفع الآباء والأمهات للبحث عن طرق لتعديل سلوك أبنائهم، بينما يتجاهلون حقيقة مهمة جدًا: أن الطفل في سنواته الأولى لا يتعلم بالكلام فقط، بل يقلّد ما يراه أمامه يوميًا. فالأب العصبي الذي يطلب من ابنه الهدوء، أو الأم التي تستخدم الصراخ ثم تطالب طفلها بالاحترام، يرسلان رسائل متناقضة تخلق اضطرابًا داخل الطفل أكثر مما تصلحه.
الطفل ليس نسخة مستقلة تمامًا عن أسرته، بل هو انعكاس مباشر للبيئة التي نشأ فيها. لذلك، فإن أي خلل مستمر في أسلوب التربية أو طريقة التعامل يترك أثرًا نفسيًا وسلوكيًا واضحًا على الأبناء، قد يظهر في صورة عناد، خوف، ضعف ثقة بالنفس، عدوانية، أو حتى انطواء واكتئاب مبكر.
الكثير من الآباء يظنون أن التربية تعني الأوامر والعقاب والسيطرة، بينما التربية الحقيقية تبدأ من قدرة الأب والأم على ضبط انفعالاتهم، واحترام مشاعر الطفل، وتقديم نموذج صحي في الحوار والتعامل. فالطفل الذي ينشأ وسط التقدير والاحتواء، غالبًا ما يصبح أكثر اتزانًا وقدرة على التفاعل السليم مع المجتمع.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا، تحميل الطفل فوق طاقته النفسية، أو مقارنته بالآخرين بشكل مستمر، مما يخلق داخله شعورًا بالنقص وعدم الكفاية. بينما يحتاج الطفل في الحقيقة إلى بيئة آمنة يشعر فيها بأنه مقبول ومحبوب حتى أثناء الخطأ، لا أن يكون الحب مشروطًا بالتفوق والطاعة فقط.
إن تعديل سلوك الأبناء يبدأ أولًا من مراجعة الكبار لأنفسهم. فالأطفال لا يحتاجون إلى آباء مثاليين، بل يحتاجون إلى آباء واعين، قادرين على الاعتذار، والتعلم، والتطور النفسي والسلوكي. وعندما يتحسن وعي الأسرة، يتحسن معها مستقبل الطفل بالكامل.
في النهاية، يجب أن ندرك أن بناء طفل سوي نفسيًا لا يعتمد فقط على المدرسة أو المجتمع، بل يبدأ من البيت، من طريقة الكلام، ونبرة الصوت، وأساليب الحب والاحتواء. فكل كلمة أو تصرف داخل الأسرة قد تبني إنسانًا قويًا ومتزنًا… أو تترك بداخله جرحًا يستمر لسنوات طويلة.













