د.سعيد أبو رحمة
يبدو أن استحداث إسرائيل لما يُعرف بـالخط البرتقالي داخل قطاع غزة لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني والسياسي للقطاع في مرحلة ما بعد الحرب. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بخطوط عسكرية مؤقتة أو مناطق عمليات ميدانية، بل باتت تعكس توجّهًا تدريجيًا نحو فرض خرائط سيطرة جديدة تُدار من خلالها غزة أمنيًا وسكانيًا دون الحاجة إلى العودة لنموذج الاحتلال التقليدي الكامل.
إسرائيل تدرك أن الحرب لا تُخاض فقط عبر القوة العسكرية المباشرة، بل أيضًا من خلال إدارة الإدراك النفسي للسكان. ولهذا فإن تعدد الخطوط وتغييرها بصورة مستمرة يحمل وظيفة تتجاوز البعد العسكري، إذ يهدف إلى إبقاء سكان القطاع في حالة دائمة من القلق وعدم اليقين، بحيث يصبح الواقع الميداني مفتوحًا على احتمالات التوسع أو التهجير أو تقليص المساحات القابلة للحياة في أي لحظة. فالغموض نفسه يتحول هنا إلى أداة ضغط، ورسالة مفادها أن أي تهدئة أو تفاهمات لا تعني بالضرورة استقرارًا ثابتًا أو حدودًا نهائية.
وفي هذا الإطار يبدو الخط البرتقالي امتدادًا لسياسة فرض الوقائع التدريجية على الأرض. فإسرائيل لا تعلن رسميًا عن تغييرات استراتيجية كبرى بقدر ما تعمل على خلق تحولات ميدانية متراكمة يصعب التراجع عنها لاحقًا. وكلما توسعت المناطق العسكرية أو المناطق المحظورة شرقًا وشمالًا، تقلصت تلقائيًا المساحات المتاحة للسكان، مما يدفعهم عمليًا نحو التكدس في مناطق محددة غرب القطاع أو جنوبه. وهذا التحول لا يقتصر على كونه أزمة إنسانية، بل يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا وأمنيًا يتعلق بإعادة توزيع الكثافة السكانية بطريقة تمنح إسرائيل قدرة أكبر على التحكم بالمجال الجغرافي والحركة الداخلية مستقبلاً.
كما أن إسرائيل تبدو حريصة على استخدام هذه الخطوط كورقة تفاوضية مستقبلية. فوجود خط برتقالي متقدم عن الخط الأصفر يمنحها هامش مناورة سياسيًا ودبلوماسيًا، إذ يمكنها – في حال تعرضت لضغوط دولية أن تتراجع عن بعض المناطق الجديدة وتُقدّم ذلك باعتباره تنازلًا، مع الإبقاء على الخطوط السابقة كأمر واقع دائم. وبهذه الطريقة تتحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض، ويصبح الانسحاب الجزئي وسيلة لتثبيت مكاسب أكبر على المدى الطويل.
لكن في المقابل لا يبدو أن إسرائيل تتجه نحو إعادة احتلال شامل لقطاع غزة كما كان قبل عام 2005. فهي تدرك أن العودة إلى الإدارة المباشرة للقطاع ستفرض عليها أعباء أمنية وإنسانية واقتصادية هائلة، خاصة في ظل الدمار الواسع والانهيار الخدمي الحالي. كما أن تحمل مسؤولية السكان بشكل كامل سيعيد إنتاج أزمات حاولت إسرائيل التخلص منها منذ الانسحاب الأحادي من غزة.
لذلك تبدو المقاربة الإسرائيلية الحالية أقرب إلى نموذج السيطرة دون الإدارة، أي فرض هيمنة أمنية وجغرافية واسعة مع تجنب تحمل المسؤولية المدنية الكاملة. وهذا ما يفسر الاتجاه نحو إنشاء مناطق عازلة أوسع، وتقليص المجال الحيوي للسكان، والتحكم بالحركة والتنقل، دون العودة إلى شكل الاحتلال التقليدي المعروف.
وفي الوقت نفسه تسمح سياسة الخطوط المتغيرة لإسرائيل باختبار ردود الفعل الدولية والإقليمية بصورة تدريجية. فبدل الإعلان عن خطة شاملة قد تثير ضغوطًا كبيرة، يتم فرض تغييرات جزئية ومتراكمة على الأرض، ثم مراقبة مستوى الاعتراض عليها. وإذا بقيت ردود الفعل ضمن حدود الإدانة السياسية أو الضغوط الإعلامية، تتحول هذه الوقائع مع الوقت إلى جزء من المشهد الجديد الذي يصعب تغييره أو التراجع عنه ما لم يكن قرار امريكي يعارضه ويلزمه.
إن الخط البرتقالي لا يبدو مجرد تفصيل عسكري عابر، بل جزءًا من محاولة إسرائيلية لإعادة هندسة الواقع داخل غزة عبر الجمع بين الضغط النفسي، وإعادة توزيع السكان، وفرض مناطق سيطرة جديدة تحت غطاء الحرب. وبينما قد لا يعني ذلك احتلالًا مباشرًا بالمعنى التقليدي، فإنه يعكس بوضوح توجّهًا نحو” بناء نموذج طويل الأمد يقوم على التحكم بالجغرافيا والسكان دون العودة الكاملة إلى إدارة القطاع كما كان في السابق”.
“













