فلسطين ، غزة
حين يحتفل الأردنيون بالذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، فإنهم لا يستذكرون حدثاً تاريخياً وقع في الخامس والعشرين من أيار عام 1946 فحسب، بل يستحضرون مسيرة دولة استطاعت خلال ثمانية عقود أن ترسخ حضورها السياسي والمؤسسي، وأن تبني نموذجاً للاستقرار والاعتدال في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً للتحولات والصراعات. فاستقلال الأردن لم يكن مجرد انتقال من مرحلة الانتداب إلى مرحلة السيادة الوطنية، بل كان بداية مشروع دولة اعتمد على بناء المؤسسات وترسيخ الشرعية السياسية وتعزيز الهوية الوطنية والانفتاح على محيطه العربي والدولي، ليصبح الأردن اليوم أحد أكثر الدول العربية قدرة على الحفاظ على استقرارها واستمرارية مؤسساتها رغم التحديات الإقليمية المتلاحقة.
لقد واجه الأردن منذ نشأته الحديثة تحديات تفوق في كثير من الأحيان الإمكانيات الجغرافية والاقتصادية والديموغرافية. فالمملكة التي قامت في بيئة إقليمية مضطربة وجدت نفسها أمام مسؤوليات سياسية وإنسانية كبيرة، بدءاً من تداعيات النكبة الفلسطينية عام 1948 وما رافقها من موجات لجوء واسعة، مروراً بالحروب العربية الإسرائيلية المتعاقبة، ووصولاً إلى الأزمات الإقليمية الحديثة في العراق وسوريا وفلسطين. ومع ذلك تمكنت الدولة الأردنية من تطوير نموذج خاص يقوم على التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والانفتاح السياسي والإصلاح التدريجي من جهة أخرى، الأمر الذي منحها قدرة استثنائية على تجاوز الأزمات والحفاظ على تماسكها الوطني.
وفي قراءة لمسيرة الاستقلال الأردني، يمكن ملاحظة أن نجاح المملكة لم يكن مرتبطاً فقط بالسياسات الداخلية، بل أيضاً بقدرتها على لعب أدوار إقليمية تتجاوز حدودها الجغرافية. فقد عمل الأردن على الدوام كجسر للحوار بين الأطراف المختلفة، وحرص على تبني سياسات معتدلة تسعى إلى خفض التوترات الإقليمية وتعزيز فرص الاستقرار. كما أسهمت الدبلوماسية الأردنية في بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية التي مكنت المملكة من الحفاظ على مكانتها وتأثيرها رغم محدودية الموارد مقارنة بالعديد من دول المنطقة.
غير أن أحد أبرز أبعاد الدور الأردني خلال العقود الماضية يتمثل في موقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية، التي شكلت وما تزال جزءاً أساسياً من الهوية السياسية والاستراتيجية للمملكة. فمنذ النكبة وحتى اليوم، لم يتعامل الأردن مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً سياسياً عابراً، بل باعتبارها قضية مركزية ترتبط بالجسم القومي الأردني وبالهوية العربية والإسلامية للمنطقة. ولذلك ظل الأردن من أكثر الأطراف العربية تمسكاً بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وقد برز هذا الدور بصورة خاصة في الدفاع عن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية من خلال الوصاية الهاشمية التاريخية، التي أصبحت أحد أهم عناصر حماية الهوية العربية والإسلامية للمدينة في مواجهة سياسات التهويد وتغيير الواقع التاريخي والقانوني القائم فيها. فالوصاية الهاشمية لا تقتصر على إدارة المقدسات ورعايتها، بل تمثل إطاراً سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً للدفاع عن مكانة القدس في المحافل الدولية، والحفاظ على طابعها التاريخي والحضاري.
ويمكن القول إن الأردن لعب دوراً محورياً في حماية المشروع الوطني الفلسطيني خلال مراحل مختلفة من الصراع. فبينما شهدت المنطقة محاولات متعددة لتهميش القضية الفلسطينية أو تجاوزها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة، استمرت المملكة في التأكيد على أن أي استقرار دائم في المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون حل عادل للقضية الفلسطينية يستند إلى الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. وقد انعكس هذا الموقف في التحركات الدبلوماسية الأردنية المتواصلة، وفي التنسيق السياسي مع الأطراف الدولية والإقليمية للحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية ومنع تراجعها أمام الأزمات الأخرى.
أما في ظل الحرب التي يشهدها قطاع غزة منذ عام 2023 وما خلفته من أوضاع إنسانية كارثية، فقد برز الدور الأردني بصورة أكثر وضوحاً على المستويين الإنساني والسياسي. فمنذ الأيام الأولى للحرب، تحركت المملكة على عدة مسارات متوازية، تمثلت أولاً في الجهود الدبلوماسية المكثفة لوقف الحرب والدعوة إلى حماية المدنيين ورفض سياسات التهجير القسري، وثانياً في إطلاق عمليات إغاثية وإنسانية واسعة النطاق للتخفيف من معاناة سكان القطاع.
وقد شكلت المساعدات الأردنية المتواصلة لغزة نموذجاً متقدماً للتضامن الإنساني العربي. فمن خلال القوافل البرية والجسر الجوي وعمليات الإنزال الجوي للمساعدات الإنسانية، إضافة إلى استمرار عمل المستشفى الميداني الأردني داخل القطاع، تمكنت المملكة من إيصال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية إلى آلاف الأسر الفلسطينية في ظروف بالغة الصعوبة. ولم تقتصر هذه الجهود على الجانب الإغاثي فقط، بل امتدت إلى استقبال الجرحى والمصابين وتوفير الرعاية الصحية لهم، بما يعكس التزاماً إنسانياً وأخلاقياً تجاه الشعب الفلسطيني في واحدة من أصعب محنه المعاصرة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة إذا ما نظرنا إلى حجم التحديات اللوجستية والسياسية التي أحاطت بعمليات إيصال المساعدات إلى غزة. فالحصار والإجراءات الأمنية والظروف الميدانية المعقدة جعلت من الوصول إلى السكان المدنيين مهمة شديدة الصعوبة، الأمر الذي منح المبادرات الأردنية قيمة إضافية باعتبارها تعبيراً عن الإرادة السياسية والإنسانية في تجاوز العقبات وتقديم العون للمحتاجين.
كما أن الموقف الأردني تجاه غزة لم ينطلق من اعتبارات إنسانية فحسب، بل ارتبط أيضاً برؤية سياسية أوسع تعتبر أن حماية الشعب الفلسطيني وصموده على أرضه تشكل جزءاً أساسياً من حماية المشروع الوطني الفلسطيني نفسه. فإضعاف المجتمع الفلسطيني أو دفعه نحو التهجير القسري يعني عملياً تقويض فرص إق












