صدى الأخبار
بقلم: د. زبير سلطان رباني
كاتب في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
تشهد الساحة العربية اليوم تحولًا لغويًّا واسعًا يتجاوز حدود المفردات والأساليب إلى مستوى أعمق يتعلق باللغة المرجعية التي تتشكل من خلالها المعرفة والوعي. ففي الوقت الذي تتسارع فيه حركة الاتصال العالمي وتتداخل فيه الثقافات والمنصات والوسائط، أخذت العربية تدخل مرحلة جديدة من الامتزاج اللغوي المتواصل، حتى غدت الهجنة اللغوية إحدى الظواهر البارزة في المشهد الثقافي والإعلامي المعاصر. والسؤال الذي تثيره هذه الظاهرة يتصل باللغة التي تقود تشكيل الوعي أكثر مما يتصل بالألفاظ التي تتداولها الألسنة.
ويظهر هذا التحول في تفاصيل الحياة اليومية بوضوح. فالخطاب المتداول في الإعلام والتعليم والمنصات الرقمية والمجالس العامة أصبح يجمع بين الفصحى والعامية والمصطلحات الأجنبية في سياق واحد. وتتحرك كلمات مثل: البوست، والتريند، والفولو، والبلوك، والكونتنت، والسيشن، والفوكس، والأبديت، خارج دوائرها التقنية إلى الاستعمال العام، كما تتسع الصيغ المركبة من قبيل: شير الخبر، وبلوك الحساب، وفوكس على الفكرة، وجوجل المعلومة. ومع تكرار هذا النمط يتشكل لسان جديد يزداد حضوره واتساعه في مختلف مجالات الحياة.
ويرتبط انتشار هذه الظاهرة بجملة من العوامل المتداخلة؛ في مقدمتها الثورة الرقمية، والهيمنة الواسعة للمحتوى الأجنبي، والتدفق الهائل للمصطلحات التقنية، واتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الذوق العام. كما أسهمت بعض البيئات التعليمية والإعلامية في ترسيخ اللغة المختلطة بوصفها لغة أكثر قربا من الجمهور وأسرع استجابة لإيقاع العصر، فازداد حضورها في المجال العام بصورة متسارعة.
غير أن الخلل الحقيقي لا يتمثل في انتقال بعض المفردات من لغة إلى أخرى؛ فالتفاعل اللغوي ظاهرة عرفتها الحضارات جميعا عبر تاريخها. وإنما يكمن الخلل في انتقال المرجعية اللغوية نفسها من لسان متماسك يمتلك منظومته المفهومية الخاصة إلى فضاء هجين متعدد المصادر. وهنا تنتقل القضية من مستوى الألفاظ إلى مستوى المرجعية التي تنتج المفاهيم وتوجه طرائق الفهم والتفكير.
فاللغة ليست وعاء للكلمات فحسب، بل نظام معرفي وثقافي تتشكل داخله التصورات والمعاني. وكل أمة تنظر إلى العالم من خلال شبكة مفاهيم بنتها لغتها عبر التاريخ. وعندما تتسع مساحة اللسان الهجين داخل المجال الثقافي والتعليمي والإعلامي، تبدأ المفاهيم المرجعية في التراجع التدريجي أمام مفاهيم وافدة تحمل سياقاتها الثقافية الخاصة. ومن هنا تتحول الهجنة اللغوية من ظاهرة تعبيرية إلى ظاهرة معرفية تمس بنية الوعي نفسها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر حين يتعلق الأمر بالعربية؛ لأنها اللغة التي ارتبطت بالوحي، وتشرفت بحمل القرآن الكريم، واحتضنت السنة النبوية، وتكونت في فضائها علوم الأمة ومدوناتها الكبرى. ومن خلال العربية تشكلت المرجعية المشتركة التي ربطت الأجيال بمصادرها العلمية والثقافية والحضارية، وأقامت جسرًا ممتدًّا بين الماضي والحاضر.
ويترتب على اتساع الهجنة اللغوية عدد من الآثار المتراكمة. فمن جهة يزداد حضور اللغة المختلطة في تشكيل الذوق العام، ومن جهة أخرى تتراجع الصلة المباشرة باللغة التي صيغت بها مصادر المعرفة المؤسسة. ومع اتساع هذه الفجوة تزداد الحاجة إلى الشروح والوسائط والبدائل اللغوية لفهم ما كان جزءًا أصيلًا من التكوين الثقافي والمعرفي. كما يتأثر البناء المفاهيمي للأجيال الجديدة حين تتلقى معارفها داخل بيئة لغوية متداخلة المرجعيات.
وتتجه المعالجة إلى إعادة الاعتبار للعربية بوصفها لغة معرفة وثقافة وهوية، عبر تعزيز حضورها في التعليم، وتطوير المحتوى العربي النوعي، وتجديد الخطاب الثقافي والإعلامي، وصناعة بيئات معرفية تجعل الفصحى لغة حية في التفكير والإبداع والإنتاج العلمي. كما تقتضي المعالجة بناء وعي لغوي يميز بين الانفتاح الحضاري المشروع وبين فقدان المرجعية اللغوية الجامعة.
وتبقى الهجنة اللغوية الجديدة قضية ترتبط بمستقبل المرجعية المعرفية للأمة. فكل أمة تحفظ مكانتها بقدر ما تحفظ اللغة التي تنتظم داخلها مفاهيمها الكبرى وتتشكل عبرها رؤيتها للعالم. والعربية ما تزال تمتلك من العمق والمرونة والقدرة الحضارية ما يؤهلها لحمل المعرفة وصناعة المستقبل، متى وجدت إرادة ثقافية واعية تجعلها حاضرة في الحياة، فاعلة في الوعي، ومؤثرة في تشكيل الإنسان والأفكار والأجيال.












