بقلم : د. شيماء صلاح _ استشاري صحة نفسية وإرشاد أسرى
خلف الأبواب المغلقة، تدور معارك يومية لا تُرى، ولا تُوثّق، لكنها تترك ندوبًا عميقة في النفوس. العنف الأسري لم يعد مجرد اعتداء جسدي ظاهر، بل أصبح في كثير من الأحيان “صامتًا” يمارس في صورة إهانة، تجاهل، سيطرة، أو تلاعب نفسي يفتك بثقة الإنسان في نفسه دون أن يترك أثرًا مرئيًا. تكمن خطورة هذا النوع من العنف في كونه غير مُعترف به مجتمعيًا بالشكل الكافي، ما يدفع الضحية إلى التعايش معه وكأنه أمر طبيعي. ومع الوقت، تتحول الضغوط إلى اضطرابات نفسية حادة، مثل الإكتئاب، القلق المزمن، واضطرابات الهوية، خاصة لدى الأطفال الذين ينشأون في بيئة غير آمنة عاطفيًا.
في قلب هذه الأزمة، يظهر دور استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري كخط دفاع حقيقي، ليس فقط في علاج الأثر، بل في كشف الخلل من جذوره. فالعنف الأسري غالبًا ما يكون نتاج أنماط تربوية مشوهة، أو ضغوط نفسية غير مُدارة، أو غياب مهارات التواصل السليم داخل الأسرة.
أما الأخطر، فهو الإرتباط الوثيق بين العنف الأسري والإدمان، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى المخدرات أو السلوكيات الإدمانية كوسيلة للهروب من واقع مؤلم، بينما يتحول آخرون إلى ممارسين للعنف تحت تأثير هذه المواد، في دائرة مغلقة من الألم والإنهيار.
إن التعامل مع هذه القضية لا يكون بالصمت أو التبرير، بل بالمواجهة الواعية، والتدخل المهني الذي يعيد بناء التوازن النفسي، ويمنح الضحايا أدوات الحماية والتعافي. كما يتطلب الأمر نشر ثقافة الوعي الأسري، التي تقوم على الإحترام، والدعم، والتواصل الصحي.
إن العنف الأسري الصامت هو قنبلة موقوتة داخل كل بيت يُهمل التعامل معها. وكسر هذا الصمت ليس خيارًا، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية العلاقات، وبناء أسر قادرة على الإحتواء بدلًا من الهدم.













