بقلم / أ.أسماء مهنا
تستعيد مصر في ذكرى نصر أكتوبر 1973 واحدًا من أهم دروس تاريخها الاستراتيجي؛ فالنصر لم يكن نتاج قرار عسكري منفرد، وإنما ثمرة رؤية متكاملة جمعت بين التخطيط، وإعادة بناء القدرة، وإدارة التوقيت، وفهم البيئة الإقليمية والدولية، وتحويل الإرادة السياسية إلى واقع قادر على تغيير معادلات الصراع.
وبعد أكثر من خمسة عقود، تبدو المنطقة أمام بيئة استراتيجية مختلفة في أدواتها، لكنها لا تخلو من تحديات تمس صميم الأمن القومي المصري؛ من أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلى أزمة سد النهضة، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية في محيط مصر الاستراتيجي.
وتكتسب التطورات الأخيرة في إثيوبيا أهمية خاصة في هذا السياق، مع تصاعد التوترات في القرن الأفريقي، وتجدد الحديث الإثيوبي عن الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول سد النهضة، بما يضيف أبعادًا جديدة إلى معادلات الأمن الإقليمي المحيطة بمصر.
ولا يعني استدعاء أكتوبر إلى المشهد الراهن تشبيه التحديات الحالية بظروف حرب 1973، وإنما استحضار منهج التفكير الذي صنع النصر؛ فالأمن القومي لا يُدار بردود الفعل، وإنما بقراءة مبكرة للتحولات، وبناء القدرة، وتنويع أدوات التأثير، والحفاظ على الخيارات الاستراتيجية للدولة.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن تغيير المعادلات يبدأ من امتلاك رؤية واضحة للهدف، ثم بناء الأدوات القادرة على تحقيقه. واليوم، تبدو هذه القاعدة أكثر أهمية في إقليم تتداخل فيه ملفات المياه والممرات البحرية والحدود والنفوذ والتحالفات، بما يجعل حماية المصالح المصرية عملية ممتدة تتجاوز مفهوم المواجهة التقليدية إلى إدارة شبكة معقدة من التحديات.
ومن هنا، فإن الرسالة الأهم التي يحملها أكتوبر إلى اللحظة الراهنة ليست استدعاء الماضي، وإنما الاستفادة من منطقه الاستراتيجي: أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض المواجهة، وإنما بقدرتها على منع الأزمات من التحول إلى تهديدات، وإدارة التوازنات، وحماية مصالحها، وامتلاك القرار في اللحظة المناسبة.
فإذا كان أكتوبر 1973 قد غيّر معادلة الصراع على جبهة سيناء، فإن تحديات اليوم تفرض على الدولة المصرية قراءة أوسع لخريطة أمنها القومي؛ قراءة تمتد من مياه النيل إلى البحر الأحمر، ومن الحدود المباشرة إلى عمق المجالين العربي والأفريقي.
أكتوبر إذن ليس ذكرى تُستعاد كل عام، بل مدرسة استراتيجية تستمر دروسها كلما تغيرت خرائط التهديد وتبدلت أدوات الصراع.












