بقلم: د. زبير سلطان رباني
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
_______________________
صدى الأخبار
يتشكّل حضور اللغة في حياة الأمم من خلال موقعها في الوعي، ومن الوظيفة التي تؤديها في بناء الفهم والتعبير وصناعة الرؤية. واللغة العربية – بما تحمله من إرث معرفي عميق، وبما تمثّله من وعاء للقرآن الكريم، ولسان للفكر، وجسر للعلوم والمعارف – قامت في تاريخ الأمة على كونها ملكة حيّة تُكتسب بالممارسة، ويتكوّن بها الإدراك، وتتشكّل عبرها طريقة النظر إلى العالم والمعاني والحياة.
ولهذا، ارتبطت العربية في بيئتها الأولى بالحياة قبل ارتباطها بالتقعيد، وتحركت في اللسان قبل أن تستقر في المتون، فكان العربي يكتسبها بالسماع والمخالطة وكثرة الاستعمال، ثم جاءت القواعد لاحقًا لتحفظ هذا البناء، وتضبط حركته، وتمنحه الدقة والاتساق والجمال.
وفي كثير من البيئات التعليمية المعاصرة – خاصة في البلاد غير العربية – يتقدّم اليوم مسار مختلف يعيد ترتيب الطريق بصورة معكوسة؛ إذ تبدأ رحلة التعلّم بتكثيف القواعد والمصطلحات النحوية والصرفية منذ المراحل الأولى، فتتجه الجهود نحو الحفظ والتلقين، بينما يبقى اللسان في طور التشكّل البطيء، وتظل المهارة التعبيرية بحاجة إلى زمن أطول ومساحة أوسع من الممارسة الحية.
ومن هنا، تتغيّر طبيعة العلاقة باللغة؛ لأنّ المتعلّم يتحرك داخل منظومة تملأ الذهن بالمعلومات، في الوقت الذي تبقى فيه القراءة المتدفقة، والقدرة على التعبير، وحيوية الاستعمال، في حاجة إلى بناء متدرّج يربط اللغة بالحياة لا بالمحفوظات وحدها.
ويمتدّ أثر هذا المسار إلى عمق التجربة التعليمية نفسها؛ حيث تتأثر القدرة على فهم النصوص بصورة طبيعية، ويضعف حضور العربية في الحديث والتفكير والتعبير اليومي، وتنشأ مسافة متزايدة بين الطالب وبين مصادر المعرفة الأصلية، فيتحول الوصول إلى المعنى إلى عملية ذهنية شاقة تحتاج إلى ترجمةٍ داخلية مستمرة بين القاعدة والاستعمال.
وفي زمنٍ تتزاحم فيه اللغات العالمية، وتتسارع فيه المؤثرات الرقمية والثقافية، تزداد حساسية هذه القضية؛ لأنّ الإنسان يميل بطبيعته إلى اللغة التي تمنحه القدرة على التفاعل والتعبير والحضور داخل الواقع، وهو ما يجعل بناء المهارة العملية عنصرًا جوهريًا في تثبيت العلاقة بين المتعلّم واللغة.
وهنا تظهر القضية في مستواها الأعمق؛ لأنّ المسألة تتصل بفلسفة تعليم العربية أكثر من اتصالها بالمناهج الجزئية أو التفاصيل الإجرائية. فالسؤال الحقيقي يتمثل في الكيفية التي تُبنى بها اللغة داخل الوعي: هل تتحرك العربية باعتبارها مجموعة قواعد تُحفظ، أم بوصفها لسانًا حيًّا يُمارَس، وتتكوّن به الملكة، ويتّسع عبره الفهم، ويتشكّل من خلاله التعبير والرؤية؟
ومن هذا الموضع، تتجه الحاجة إلى إعادة ترتيب الطريق التعليمي بصورة أكثر اتزانًا وفاعلية؛ بحيث يتقدّم بناء اللسان في المراحل الأولى عبر القراءة والاستماع والمحادثة والتفاعل، ثم تأتي القواعد في موقعها الطبيعي بوصفها أداةً لضبط هذا البناء وتقويته وإيصاله إلى مرحلة الإتقان.
ولهذا، يقوم المسار المتوازن – خاصة في تعليم العربية لغير الناطقين بها – على أربع مهارات تتكامل بصورة تدريجية في تشكيل الملكة اللغوية؛ فالقراءة توسّع الألفة مع التراكيب والمعاني، والاستماع يُهذّب السمع اللغوي ويقوّم النطق، والمحادثة تُثبّت الملكة بالممارسة الحية، بينما تمنح الكتابةُ اللغةَ قدرتها على تنظيم الأفكار وبناء التعبير الدقيق والمتماسك.
ومع هذا البناء المتدرّج، تتجلّى قيمة القواعد في صورتها الأكمل؛ إذ تتحول من مادة ذهنية منفصلة عن الاستعمال إلى عنصر يُحكم اللسان، ويضبط التعبير، ويمنح اللغة دقتها واتساقها وطاقتها البيانية، فتغدو القواعد جزءًا من قوة اللغة لا عبئًا يسبق تشكّلها في الوعي.
وعندما يستقيم هذا الترتيب، تستعيد العربية حضورها الطبيعي داخل اللسان والفكر معًا، ويتّسع أثرها في بناء المعرفة، وتتكوّن علاقة أكثر حيوية بين المتعلّم واللغة، علاقة تجعل العربية أداة للفهم والتعبير والإدراك الحضاري، وجسرًا حيًّا يصل الإنسان بمصادره الثقافية والمعرفية والروحية.
ومن هنا، تتجلّى حقيقة بالغة الأهمية في مسار تعليم اللغات وبناء الوعي؛ فاللغة التي تتكوّن في اللسان تستقرّ في الفكر، واللغة التي تتحول إلى ممارسة حيّة تصبح جزءًا من طريقة الإنسان في النظر والتحليل والتعبير والتفاعل مع العالم.
ولهذا، يتجه الاهتمام اليوم إلى إعادة وصل اللسان بوظيفته، واللغة برسالتها، والمعرفة بأثرها في بناء الإنسان؛ لأنّ العربية حين تتحرك بوصفها لغة حياة وفهم وتواصل، تستعيد قدرتها على تشكيل الوعي، وتوسيع أفق الإدراك، وبناء الإنسان القادر على الاتصال بمصادره المعرفية والثقافية بروحٍ حيّة ولسانٍ متين.
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي؛ حين يعود بناء اللسان إلى مقدّمة الطريق، وتستعيد العربية موقعها بوصفها لغةً تُعاش وتُمارس وتتكوّن بها الملكة، ثم تتحول القواعد بعدها إلى باب من أبواب الإتقان والجمال والضبط والعمق البياني.













