سمير باكير يكتب –
في مشهد إقليمي متشابك، لا يمكن قراءة تحولات المنطقة بمعزل عن مسارين متوازيين، يتقاطعان ليصنعا واحدة من أعقد المعارك في العصر الحديث.
المسار الأول: انطلق مع هجوم السابع من أكتوبر، حيث شعرت “إسرائيل” بأنها أمام لحظة وجودية، شرعت على إثرها في تفعيل خطط عسكرية كانت قد أعدّتها مسبقًا. غير أن سرعة التمدد القتالي لم تترك “إسرائيل” وحدها في دائرة الخوف، بل شملت حزب الله، والنظام الإيراني، والنفوذ الأميركي، بل والقضية الفلسطينية ذاتها، حيث أمسى كل طرف يخوض معركته وكأنها تتعلق بمصيره البعيد ومستقبله في المنطقة.
المسار الثاني: يأتي في سياق التحول الكبير الذي يعصف بالنظام الدولي، حيث تجري إعادة هندسة موازين القوة العالمية. وهنا تكمن خطورة الحرب الراهنة، إذ لن تقتصر نتائجها على الميدان فحسب، بل ستحدد موقع كل لاعب في خريطة القوة الدولية الجديدة. فتعزيز موقع إيران يمنحها نفوذًا إقليميًا غير مسبوق، في حين أن أي انكفاء أميركي يُقرأ كدليل إضافي على تراجع الهيمنة الغربية عالميًا.
ومن هذين المسارين تولد معركة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه ظاهريًا؛ صراع استراتيجي مفتوح على احتمالات بعيدة المدى، يرفض فيه كل طرف الاعتراف بالهزيمة، مفضلًا دفع ثمن القتال على قبول خسارة قد تشطب وجوده السياسي لسنوات.
واشنطن وطهران.. اتفاق بانتظار التنفيذ:
رغم التوقيع على وقف الحرب، لا يزال طريق التنفيذ شائكًا. فإدارة واشنطن ترى أن تطبيق الاتفاق بصيغته الحالية يعني الاستسلام لنتائج غير مرغوبة، ما دفعها إلى تعزيز التصعيد العسكري كوسيلة للضغط على طهران، سعيًا لدفعها إلى طاولة تفاوض جديدة حول ملفها النووي، قبل الالتزام بباقي البنود. والأخطر، أن التصعيد الأميركي يهدف إلى تضخيم الانقسامات الداخلية في إيران، وكسر عزيمتها على التمسك بمواقفها.
في المقابل، ترد طهران برفع كلفة التصعيد على واشنطن، ماضية في سياسة حافة الهاوية، ومستعدة لخوض مواجهة عسكرية موسعة إذا اقتضى الأمر.
المشهد الأكبر:
كل ما يحدث اليوم في جنوب لبنان، وغزة، وعمق المنطقة، ليس سوى حلقات من حرب إقليمية شاملة، تتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية والدولية. أطراف متعددة تخوض معركة وجودية، تدرك أن نتيجتها هي من سيرسم خريطة الشرق الأوسط لعقود قادمة. لا مجال للتراجع الآن، وما تبقى هو رصد المتغيرات التي قد تحوّل مسار أي طرف، وتعيد تعريف معنى النصر والهزيمة في هذه الحرب المفتوحة.













