يوسف حسن يكتب –
المقدمة: من منظور استراتيجي
ترى إيران أنها تقف على أعتاب مرحلة جديدة ومفصلية من الحرب، يمكن تسميتها “مرحلة الدخول في الصراع طويل الأمد”. هذه المرحلة تعني أن أي حدث فيها سيكون أكثر استقراراً من حيث الزمن، ولكنه أكثر تقلباً من حيث الشدة. أي أن الاشتباكات قد تشتد فجأة ثم تهدأ، لكن أنماط المواجهة ستستمر لفترات أطول. الهدف من هذه المرحلة هو الوصول إلى نتيجة حاسمة، والطرف الذي يرفض قبول الهزيمة – وفي مقدمتها الولايات المتحدة – سيؤدي إلى إطالة أمد الصراع وجعله مزمناً.
أولاً: لماذا هذه المرحلة الآن؟
الأساس في ولادة هذه المرحلة هو أن أمريكا لا تريد الاعتراف بهزيمتها في حرب “رمضان”. فشلت واشنطن في تحقيق أهدافها، وفوجئت عسكرياً، وأُهينت سياسياً، وكبّدت الاقتصاد العالمي خسائر فادحة. لكن دونالد ترامب غير مستعد لقبول الهزيمة، وعندما يرفض الطرف الخاسر (خصوصاً إذا كان هذا الطرف أمريكا) الهزيمة، فإن النزاع يصبح مزمناً. هنا يظهر الفارق الاستراتيجي: إيران تسدّ جميع مسارات الخروج المحترمة لأمريكا، ولا تسمح لها بتحقيق أي نصر تستند إليه للانسحاب من الحرب.
ثانياً: قيمة المفاوضات في تراجع
خيار المفاوضات فقد مصداقيته لأسباب ثلاثة:
1. جُرب ولم ينجح: دخلت إيران المفاوضات من موقع القوة، لتختبر استعداد أمريكا لتقديم تنازلات الطرف الخاسر. لكن الأميركيين، رغم عدم امتلاكهم سيناريو نصر، لم يكونوا مستعدين لقبول نظام أمني جديد يمنع حرباً ثالثة.
2. الحصار البحري يجعل المفاوضات بلا معنى: في ظل محاولات أمريكا توقيع السفن الإيرانية وفرض حصار بحري في بحر عمان والمحيط الهندي، لا معنى للجلوس إلى طاولة المفاوضات. أمريكا تريد مقايضة الحصار بامتيازات في مضيق هرمز، وهو ما ترفضه إيران.
3. خطر أن تكون المفاوضات غطاءً لهجوم جديد: هناك مؤشرات على أن أمريكا وإسرائيل تفكران في اغتيال أو ضربة كبرى أثناء المفاوضات أو بعد فشلها. إيران تتعامل بعيون مفتوحة، وأي مفاوضات مقبلة ستكون “حرباً داخل الغرفة”، وليس بحثاً عن صفقة.
ثالثاً: مكسب استراتيجي لمفاوضات إسلام آباد
رغم فشلها التفاوضي، حققت إيران مكسباً استخباراتياً فريداً: تحديث نموذج التفكير الأميركي. فبعد أربعين يوماً من الحرب، كانت إيران بحاجة إلى “قرقلة” (فهم عميق) لعقلية العدو. والآن تمتلك الخريطة الذهنية لأولويات أمريكا ونقاط ضعفها، وهذا سيساعدها في صياغة استراتيجية حرب أكثر فعالية.
رابعاً: البيئة العملياتية – ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات
السمة الأولى: خطر المفاجأة العسكرية في أي لحظة. كل المؤشرات تشير إلى أن أمريكا وإسرائيل تحضران لضربة مفاجئة قبل انتهاء الهدنة أو بعدها مباشرة. لكن إيران تعمل على سيناريوهات “مضادة للمفاجأة”، وتحويل أي محاولة غافلة إلى فضيحة كبرى للمفاجئ.
السمة الثانية: معركة الحصار البحري ومضيق هرمز. أمريكا تريد تشديد الحصار لخلق ورقة ضغط، لكن إيران أغلقت المضيق بالكامل. هذا الإغلاق تجاوز العتبة الحرجة وسيترك آثاراً دائمة على الاقتصاد العالمي لأكثر من عقد. إيران، بجيرانها الثمانية عشر، ليست دولة قابلة للحصار. رد إيران العسكري قادم، لكنه سيكون في “لحظة الشليك” المناسبة.
السمة الثالثة: تحركات القوات والاقتراب من إيران. القوات الأميركية وحلفاؤها العرب يقتربون من إيران براً وبحراً. لكن الاقتراب يعني سهولة الاستهداف. العمليات من مسافة بعيدة (مثل قبرص) أكثر إزعاجاً من المواجهة عن قرب. إيران تراقب هذه التحركات، وتعرف أن بعض الأنظمة العربية فقدت استقلالها بالكامل.
خامساً: قواعد الحرب تتغير
إذا اندلعت حرب طويلة الأمد، فلن تكون بنفس قواعد الأربعين يوماً الأولى. إيران التزمت بخطوط حمراء معينة، لكنها قد لا تلتزم بها في المرحلة القادمة. العدو يعلم أن إيران تمتلك قدرات لم تستخدم بعد، وهذا ما يجعله يتردد.
سادساً: طبيعة الحرب – عدم اليقين هو اليقين الوحيد
الحرب الحالية هي الأكثر تعقيداً وتطوراً تكنولوجياً في المنطقة. وأهم ما يميزها هو عدم اليقين. القرارات قد تتغير في ساعات. لا تبحثوا عن نمط ثابت. ما قيل قبل عشرين يوماً قد لا ينطبق اليوم. المرونة واليقظة اللحظية هما سلاح إيران الحقيقي.
لحظة الحسم قريبة
إيران لن تترك الحصار بلا رد، ولن تسمح بتمرير أي مفاجأة دون حساب. أمريكا تتردد بين الرغبة في تمديد الهدنة والخوف من المواجهة المباشرة. الأيام القادمة (حتى نهاية مهلة الهدنة، حوالي الأربعاء) ستحدد ما إذا كنا سنشهد حرباً جديدة بقواعد جديدة، أو تفاهماً تحت وطأة النار. لكن الثابت الوحيد هو أن إيران لم تكن ولن تكون الطرف الذي يطلب الهدنة.













