بقلم: د.وليد صبحي _ أخصائي الإرشاد النفسي والأسري ولايف كوتش
يُعدّ المنزل البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، فمن خلاله يكتسب الفرد قيمه ومهاراته الإجتماعية وصورته عن ذاته والآخرين. لذلك، فإن الأسرة تمثل المصدر الأساسي للأمان النفسي والانتماء. إلا أن هذا الدور قد يتعرض للاختلال عندما تسود داخل الأسرة أنماط تواصل قائمة على السخرية والإهانة والانتقاد المستمر والتقليل من الشأن، وهي ممارسات تندرج تحت مفهوم التنمر الأسري. ورغم تزايد الاهتمام بالتنمر في المدارس وأماكن العمل، فإن التنمر داخل الأسرة لا يزال من أكثر أشكال الإساءة النفسية التي لا تحظى بالقدر الكافي من الوعي، نظرًا لاعتقاد البعض أن القسوة اللفظية أو الإهانة المتكررة تدخل في إطار التربية أو التأديب، بينما تؤكد الدراسات النفسية أن الإساءة النفسية المستمرة قد تترك آثارًا لا تقل خطورة عن العنف الجسدي. يشير التنمر الأسري إلى سلوك عدواني متكرر يمارسه أحد أفراد الأسرة تجاه فرد آخر، بهدف فرض السيطرة أو التقليل من قيمته أو إلحاق الأذى النفسي به، مستغلًا العلاقة الأسرية وما تتضمنه من سلطة أو قرب عاطفي. ويتخذ هذا السلوك صورًا متعددة، منها:
🔴 السخرية والاستهزاء المستمر.
🔴 إطلاق الألقاب المهينة.
🔴 المقارنات السلبية بين الأبناء أو بين الزوجين.
🔴 التقليل من الإنجازات والقدرات.
🔴 التهديد والترهيب النفسي.
🔴 التجاهل والعزل العاطفي.
🔴 التحكم المفرط وإلغاء شخصية الطرف الآخر.
🔴 الآثار النفسية والسلوكية
تُظهر الممارسة الإكلينيكية والبحوث النفسية أن ضحايا التنمر الأسري أكثر عرضة للإصابة بإنخفاض تقدير الذات، واضطرابات القلق، والاكتئاب، واضطرابات التكيف، وصعوبات تكوين العلاقات الإجتماعية . كما قد يؤدي التعرض المستمر للإهانة إلى الشعور بالعجز النفسي، وفقدان الثقة بالنفس، والخوف من التعبير عن الرأي. أما الأطفال، فإنهم غالبًا ما يحملون هذه الخبرات إلى مراحل عمرية لاحقة، وقد يعيدون إنتاجها داخل المدرسة أو العمل أو الحياة الزوجية، سواء من خلال ممارسة التنمر على الآخرين أو قبول الإساءة باعتبارها أمرًا طبيعيًا. وهناك عدة عوامل تساهم في إستمرار هذا النمط من العلاقات، من أبرزها:
🔴 ضعف الوعي بأساليب التربية الإيجابية.
🔴 إنتقال أنماط التنشئة السلبية عبر الأجيال.
🔴 الضغوط الإقتصادية والإجتماعية.
🔴 ضعف مهارات التواصل وإدارة الانفعالات.
🔴 الإعتقاد الخاطئ بأن القسوة وسيلة فعالة للتربية أو فرض الاحترام. وتبدأ الوقاية من نشر ثقافة الإحترام المتبادل داخل الأسرة، وتعزيز الحوار القائم على الإصغاء والتقدير. كما ينبغي تدريب الوالدين على مهارات التواصل الإيجابي، والتمييز بين الحزم والإهانة، وبين التوجيه والتقليل من الكرامة الإنسانية. ومن الضروري أيضًا تشجيع أفراد الأسرة على التعبير عن مشاعرهم في بيئة آمنة، والتدخل المبكر عند ملاحظة أنماط الإساءة المتكررة، مع الاستعانة بالإرشاد النفسي والأسري عندما تصبح العلاقة مصدرًا دائمًا للأذى. إن التنمر الأسري ليس خلافًا عابرًا بين أفراد الأسرة، بل هو نمط تفاعلي قد يترك آثارًا نفسية وإجتماعية ممتدة لسنوات. ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والمتخصصين في الصحة النفسية في نشر الوعي بخطورة هذه الظاهرة، والعمل على ترسيخ ثقافة الاحترام والحوار، حتى يظل المنزل بيئة للنمو النفسي السليم، لا مصدرًا للمعاناة. “قد تُنسى المواقف بمرور الزمن، لكن أثر الكلمات داخل الأسرة قد يبقى راسخًا في النفس لسنوات طويلة، لذلك فلنجعل بيوتنا مكانًا يمنح الطمأنينة لا الخوف، والدعم لا الإهانة.”












