تقرير تحليلي .. سها البغدادي
شكلت السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013 نقطة تحول بارزة في طبيعة المواجهة الأمنية التي خاضتها الدولة المصرية ضد التنظيمات المسلحة والجماعات المتطرفة. فمع تصاعد الهجمات الإرهابية التي استهدفت رجال الشرطة والقوات المسلحة والمنشآت الحيوية، أعلنت الدولة تبني استراتيجية أمنية شاملة ارتكزت على تطوير القدرات المعلوماتية، وتنفيذ عمليات استباقية، ورفع كفاءة وحدات مكافحة الإرهاب وخبراء المفرقعات، إلى جانب تحديث منظومة التدريب والتجهيزات الفنية.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية، فقد اعتمدت الوزارة خلال السنوات الماضية على توسيع قدرات جمع وتحليل المعلومات، بما ساهم – وفقًا للوزارة – في إحباط العديد من المخططات الإرهابية قبل تنفيذها، وضبط أو ملاحقة عناصر متهمة بالانتماء إلى تنظيمات مسلحة أو بالتخطيط لتنفيذ عمليات تستهدف مؤسسات الدولة.
استراتيجية تقوم على الضربات الاستباقية
تؤكد وزارة الداخلية في بياناتها الدورية أن التحرك لم يعد يقتصر على التعامل مع الحوادث بعد وقوعها، وإنما أصبح يعتمد بصورة متزايدة على ما تصفه بـ”الضربات الاستباقية”، والتي تستند إلى أعمال الرصد والتحريات وجمع المعلومات.
وخلال الأعوام الماضية، أعلنت الوزارة تنفيذ عشرات المداهمات الأمنية في عدد من المحافظات، استهدفت أوكارًا قالت إنها كانت تستخدم في تصنيع المتفجرات أو إيواء عناصر مطلوبة، كما أعلنت إحباط مخططات لاستهداف منشآت شرطية وقضائية ودور عبادة ومرافق عامة.
ويرى متخصصون في الشؤون الأمنية أن العمل الاستباقي أصبح أحد أهم عناصر مكافحة الإرهاب الحديثة، لما يتيحه من منع وقوع الهجمات قبل تنفيذها وتقليل الخسائر البشرية والمادية.
تطوير منظومة جمع المعلومات
شهدت منظومة العمل الأمني، وفقًا لما أعلنته الدولة، تطويرًا في آليات جمع وتحليل المعلومات، مع توسيع استخدام التقنيات الحديثة وربط قواعد البيانات، بما يعزز سرعة الاستجابة واتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الداخلية أن نجاح العديد من العمليات الأمنية ارتبط بدقة المعلومات وسرعة تحليلها والتنسيق بين القطاعات المختلفة، وهو ما انعكس – بحسب بياناتها – على ارتفاع معدلات كشف الخلايا المسلحة وإحباط العمليات قبل تنفيذها.
مواجهة العبوات الناسفة
من أكثر التحديات التي واجهت الأجهزة الأمنية خلال السنوات الماضية انتشار استخدام العبوات الناسفة بدائية الصنع لاستهداف الأكمنة والمنشآت العامة ووسائل النقل.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الإدارة العامة للحماية المدنية ووحدات المفرقعات تعاملت مع مئات البلاغات الخاصة بالأجسام المشتبه بها، وتمكنت من إبطال مفعول العديد من العبوات الناسفة، إلى جانب رفع كفاءة فرق المفرقعات وتزويدها بروبوتات وأجهزة كشف حديثة ووسائل حماية متطورة.
ويؤكد خبراء أمنيون أن تطوير هذا القطاع أسهم في تقليل المخاطر على المواطنين ورجال الشرطة، وساعد على سرعة التعامل مع البلاغات في مختلف المحافظات.
تضحيات رجال الشرطة
دفعت وزارة الداخلية ثمنًا باهظًا خلال سنوات المواجهة مع الإرهاب، حيث استشهد وأصيب عدد كبير من رجال الشرطة أثناء أداء واجبهم، سواء في الأكمنة الأمنية أو أثناء تنفيذ المأموريات أو مداهمة البؤر المسلحة.
وشهدت عدة مناطق، خاصة في شمال سيناء وبعض المحافظات، هجمات استهدفت قوات الشرطة، فيما أعلنت الوزارة مرارًا عن استشهاد ضباط وأفراد خلال ملاحقة عناصر مسلحة.
وتؤكد الوزارة في بياناتها أن هذه التضحيات كانت جزءًا من معركة طويلة هدفت إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار، بينما تحرص الدولة سنويًا على تكريم أسر الشهداء والمصابين تقديرًا لما قدموه من تضحيات.
تحديث التدريب والتجهيزات
إلى جانب المواجهة الميدانية، ركزت وزارة الداخلية على تطوير قدرات عناصرها من خلال برامج تدريبية متخصصة في مكافحة الإرهاب، والقتال في المناطق الحضرية، والتعامل مع المتفجرات، وإدارة الأزمات.
كما أعلنت الوزارة إدخال معدات وآليات حديثة، تشمل مركبات مدرعة وأجهزة اتصال متطورة وأنظمة مراقبة، بالإضافة إلى التوسع في استخدام التكنولوجيا لدعم العمل الأمني.
ويرى متابعون أن هذا التطوير ساهم في رفع كفاءة الاستجابة للتهديدات الأمنية المتغيرة، خاصة مع تطور أساليب الجماعات المسلحة في استخدام التكنولوجيا ووسائل الاتصال.
مكافحة الإرهاب.. بين الأمن والتنمية
رغم أن المواجهة الأمنية كانت محورًا رئيسيًا، فإن الدولة المصرية أكدت في أكثر من مناسبة أن مكافحة الإرهاب لا تعتمد على الحل الأمني وحده، بل ترتبط أيضًا ببرامج التنمية، وتحسين الخدمات، ومواجهة الفكر المتطرف، وتجديد الخطاب الديني.
وتشير الحكومة إلى أن تنفيذ مشروعات تنموية، خاصة في سيناء، جاء بالتوازي مع العمليات الأمنية، بهدف معالجة الظروف التي قد تستغلها التنظيمات المتطرفة في التجنيد أو نشر أفكارها.
فض اعتصامي رابعة والنهضة
وفيما يتعلق بفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013، ذكرت الهيئة العامة للاستعلامات في بياناتها أن القرار جاء بعد فشل محاولات التسوية، وأن قوات الأمن أعلنت توفير ممرات آمنة لخروج المعتصمين قبل بدء عملية الفض، بينما أسفرت العملية – وفق البيانات الرسمية – عن سقوط ضحايا من المدنيين ورجال الشرطة.
وفي المقابل، صدرت تقارير حقوقية قدمت تقييمات مختلفة للواقعة، وهو ما يجعل الحدث من أكثر الملفات محل نقاش على المستويين المحلي والدولي.
قراءة في المشهد
بعد أكثر من عقد على 30 يونيو، تشير البيانات الرسمية إلى تراجع كبير في وتيرة العمليات الإرهابية مقارنة بما شهدته البلاد في السنوات الأولى بعد 2013، وهو ما تعزوه الدولة إلى تطوير المنظومة الأمنية، وتعزيز التعاون بين مؤسساتها، والاعتماد على الضربات الاستباقية، إلى جانب برامج التنمية والتشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب.
وفي الوقت نفسه، لا تزال قضايا التوازن بين متطلبات الأمن وحماية حقوق الإنسان محل نقاش في الأوساط الحقوقية والأكاديمية، وهو نقاش حاضر في تجارب دول عديدة واجهت تهديدات إرهابية.
تكشف تجربة مصر في مكافحة الإرهاب، وفق ما أعلنته مؤسسات الدولة، عن تحول في أساليب العمل الأمني من الاعتماد على رد الفعل إلى تبني استراتيجية استباقية تعتمد على المعلومات والتكنولوجيا والتنسيق بين الأجهزة المختلفة. وفي المقابل، يظل تقييم بعض المحطات التاريخية، وعلى رأسها أحداث عام 2013، محل اختلاف بين الروايات الرسمية وتقارير حقوقية مستقلة، وهو ما يفرض على العمل الصحفي الالتزام بنسب المعلومات إلى مصادرها وعرض السياقات المختلفة بما يحقق الدقة والمهنية.













