ماهر بدر
في الوقت الذي يتصدر فيه اسم فخر العرب محمد صلاح العناوين العالمية، محتفياً برحلة كفاح وإنجازات استثنائية أبهرت العقول وأضحت مدعاة فخر واعتزاز لكل عربي، يُطل علينا أحد المحامين بدعوى قضائية يُطالب فيها بأتعاب عن خدمات قانونية يزعم تقديمها قبل أكثر من أربعة عشر عاماً!
إن التوقيت وحده كفيل بكشف الغرض الحقيقي من وراء هذا الموقف؛ فهو لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لاستغلال اسم نجم بحجم وطن، والتسلق على نجاحه للوصول إلى أضواء التريند الزائفة.
غير أن الأزمة الحقيقية هنا لا تقف عند حدود النيل من رمز رياضي وقومي، بل تتعداها لتشكل طعنة نافذة في ظهر رسالة المحاماة ذاتها. فهذه الدعوى ليست مجرد خصومة ضد محمد صلاح، بل هي ضرب في عمق قيمة وقدر هذه المهنة السامية، التي كانت وسوف تظل رمزاً للقومية والوطنية، وحائط الصد المنيع أمام كل من يحاول التناول أو التطاول على ثوابتنا ورموزنا التي ترفع اسم مصر في المحافل الدولية.
أما عن المشهد القانوني للمطالبة، فإن اللجوء إلى طلب اليمين الحاسمة في مثل هذه الظروف هو الإقرار الصريح بالإفلاس المستندي، والعجز المكتمل عن تقديم دليل كتابي واحد يُسند الدعوى أو يُثبت وجود اتفاق أتعاب مشروع. فالقانون المدني المصري جاء صريحاً وقاطعاً في نص المادة 376، إذ فرض تقادماً خماسياً مسقطاً لدعاوى أتعاب المحامين، يبدأ حسابه من تاريخ انتهاء العمل المكلف به لا من تاريخ إلغاء التوكيل، مما يجعل الحق المزعوم ساقطاً بقوة القانون ومندحراً بالتقادم منذ سنوات طويلة.
وما يُروج له البعض حول اعتبار عدم حضور اللاعب نكولاً عن اليمين هو محض مغالطة تجافي التطبيق القانوني السليم؛ إذ يملك دفاع النجم الدولي كافة الأسانيد للدفع الأصلي بسقوط الحق بالتقادم، والدفع بعدم جواز توجيه اليمين الحاسمة لعدم إنتاجيتها ولانقضاء الالتزام شكلاً وموضوعاً.
بعيداً عن اللوائح والنصوص التي تُفنّد هذه الدعوى الواهية، يبقى التساؤل الأخلاقي قائماً: كيف يُسمح بتوظيف محراب العدالة كمشرط لتشويه رموزنا الوطنية ومحاصرتهم بادعاءات مرسلة؟
إن المحاماة -عبر تاريخها المجيد- كانت دائماً قلعة للدفاع عن الكرامة والحق، ولن تكون يوماً أداة للاستعراض أو منصة للشهرة على حساب قامات مصر الشامخة.
عاشت مصر حرة كليمة، وعاشت مهنة المحاماة قلعة شامخة للحق والعدل، وحائط صدٍّ متين يحمي رموز الوطن ويصون كرامته… ولا عزاء للمتسلقين على جدران المجد والباحثين عن زيف الأضواء.
الدكتور / ربيع رستم
المحامي بالنقض والإدارية والدستورية العليا












