…
بقلم: د/ زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
________________________________________
في عصر يتدفق فيه الخريجون والشهادات والمؤهلات بوتيرة متسارعة، حتى يبدو المشهد وكأن العالم يستقبل مليار خريج في كل عام، وتتسع فيه أدوات التعلم والبحث والإنتاج والنشر على نحو غير مسبوق، برز سؤال أخذ يفرض نفسه بإلحاح: كيف يُعرف صاحب القيمة الحقيقية وسط هذا الزحام؟
لقد وسعت التحولات التقنية دوائر الوصول إلى المعلومات، وقرّبت المصادر، وأتاحت إمكانات واسعة للتعلم والإنتاج والتأثير. وأصبح في مقدور أعداد هائلة من البشر الاطلاع على المادة نفسها، والاستفادة من الأدوات نفسها، وعرض ما يشاؤون أمام جمهور واسع. ومع هذا الاستواء في الوسائل، تقاربت المظاهر وتشابهت الصور، حتى ازدادت صعوبة التمييز بين العمق والسطح، وبين الخبرة والحضور العابر.
ومن هنا تعاظمت الحاجة إلى معيار يكشف حقيقة الكفاءة بعيدًا عن ضجيج الظهور. فعادت أسئلة الثقة إلى الواجهة، واتجه البحث نحو الإنسان الذي يُعتمد على فهمه، ويُركن إلى تقديره، ويُؤتمن على المسؤولية حين تتشابك الوقائع وتتعدد الاحتمالات. وقد لخّصت الحكمة القديمة جانبًا من هذه الحقيقة بقولها: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسن»؛ لأن المنزلة الحقيقية ترتبط بما يبلغه الإنسان من تمكن وإحكام وجودة أداء.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي يمنح الإنسان هذه المكانة؟
إنها رحلة التعلم حين تكتمل حلقاتها.
ومن أبلغ ما عبّر عن هذه الحقيقة قول الناظم:
فاحفظْ فكلُّ حافظٍ إمامُ
فالحفظ يرسخ الأصول، ومن الأصول يتكون الفهم، وبالفهم تنشأ الملكة، ومن الملكة يولد الإتقان. وبهذا ينتقل التعلم من تحصيل المادة العلمية إلى امتلاك القدرة على النظر والتحليل والترجيح والتقدير، حتى يصبح العلم قوةً موجهة للفكر والعمل. ولهذا جعل ابن خلدون غاية التعلم تحصيل الملكة؛ لأنها المرتبة التي يتحول عندها العلم إلى قدرة على التصرف والفهم والتنزيل، وتتجاوز المعرفة حدود الحفظ إلى رحابة الإدراك والاستعمال.
ولهذا بقي الميدان المحكّ الأصدق للكشف عن حقائق الناس. فعند معالجة القضايا المركبة، وتحمل المسؤوليات، ومواجهة المستجدات، تتجلى سلامة الرؤية، ودقة الحكم، وجودة الأداء. وهناك يظهر الصحيح وسط كثرة الآراء، والحقيقي وسط ازدحام الادعاءات، والأصيل وسط تشابه الصور. وعند هذه النقطة تتحدد المرجعية على أساس الجدارة، ويأخذ كل إنسان مكانته بقدر ما يقدمه من فهم وإحكام وقدرة على الإنجاز.
وهكذا أعادت تحولات عصرنا التفاضل إلى موضعه الأصيل. فبعد أن تقاربت الوسائل، واتسعت فرص الوصول إلى المعلومات، ارتفعت قيمة الإنسان القادر على تحويل ما تعلمه إلى أثر نافع في الواقع. فالعالم اليوم يبحث عن الموثوق وسط كثرة المتحدثين، وعن الأصيل وسط وفرة المحتوى، وعن صاحب البصيرة وسط ازدحام الأصوات.
ومن هنا تتجلى عبقرية الإتقان؛ لأنها الثمرة التي تكتمل بها رحلة التعلم، والميزان الذي تُعرف به الكفاءة، والجسر الذي ينتقل به العلم من الذاكرة إلى الميدان. وعند هذه المرتبة يتحدد الفارق الحقيقي في زمن المليار خريج.













