بامبرغ – ألمانيا
أطلق الممثل وصانع الأفلام الفلسطيني هارون رشيد عام 2026 مهرجان «عبر الثقافات» الدولي للأفلام القصيرة (ACFFB) في مدينة بامبرغ الألمانية، ليكون منصة سينمائية مستقلة تجمع أفلامًا من خلفيات وثقافات مختلفة، وتمنح صناع الأفلام فرصة لعرض أعمالهم أمام جمهور متنوع.

ويركز المهرجان على الأفلام القصيرة التي تتناول قضايا إنسانية واجتماعية وثقافية، وتفتح المجال أمام الحوار حول موضوعات مثل الهوية والانتماء والهجرة والعلاقات الإنسانية والأمل. كما يسعى إلى تعزيز حضور السينما المستقلة، ولا سيما أعمال المخرجين الجدد والطلاب، وإيصالها إلى جمهور أوسع خارج الأطر التجارية التقليدية.

وينطلق «عبر الثقافات» من رؤية تعتبر الفيلم القصير وسيلة فنية قادرة على اختزال تجارب إنسانية عميقة خلال دقائق محدودة، وتحويل الشاشة إلى مساحة للتعارف والتبادل الثقافي. فاختلاف اللغة أو الخلفية لا يحول، وفق فلسفة المهرجان، دون التفاعل مع قصة إنسانية صادقة أو فهم المشاعر التي تحملها.

الدورة الأولى.. بداية مشروع سينمائي دولي
أقيمت الدورة الأولى من المهرجان في 20 سبتمبر/أيلول 2026، في مدينة بامبرغ، بمشاركة مجموعة من الأفلام القصيرة التي عكست تنوعًا في الموضوعات والأساليب والرؤى السينمائية.
واستضافت مدرسة «د. زيلما غراف» للتمريض فعاليات الدورة الافتتاحية، التي تضمنت عرض 16 فيلمًا قصيرًا، إلى جانب جلسات للنقاش والتفاعل مع الجمهور. ولم تقتصر الفعالية على تقديم الأفلام، بل سعى المهرجان إلى خلق مساحة للحوار حول القضايا التي طرحتها الأعمال، وما تثيره من أسئلة تتعلق بالهوية والمجتمع والتجربة الإنسانية.
وشهدت الدورة توزيع جوائز في أربع فئات رئيسية، هي: أفضل فيلم قصير، وأفضل قصة عابرة للثقافات، وأفضل فيلم طلابي، وجائزة الجمهور، إلى جانب منح تنويه شرفي لأحد الأعمال المشاركة.
ويعكس تخصيص هذه الفئات رغبة إدارة المهرجان في الاحتفاء بجوانب متعددة من التجربة السينمائية، من جودة الفيلم وتماسك قصته، إلى قدرته على تقديم موضوعات تتجاوز الحدود الثقافية، فضلًا عن تشجيع المواهب الطلابية ومنح الجمهور دورًا في تقييم الأعمال.
مهرجان يضع الحوار في صميم برنامجه
لا يقدم مهرجان «عبر الثقافات» الأفلام بوصفها أعمالًا منفصلة عن جمهورها، بل يحرص على ربط العرض بالنقاش والتفاعل. ومن خلال هذا التوجه، تتحول مشاهدة الفيلم إلى بداية لحوار حول التجارب التي يعرضها، والاختلافات التي تفصل بين المجتمعات، والقواسم المشتركة التي تجمع الناس.
ويمنح هذا النموذج المهرجان طابعًا يتجاوز فكرة العرض السينمائي التقليدي، إذ يجمع بين المشاهدة والتفكير والنقاش، ويتيح للحاضرين التعرف إلى قصص وتجارب قد لا يلتقون بها في حياتهم اليومية.
وعن خلفيات المشروع، سُئل مؤسس المهرجان هارون رشيد:
كيف ولدت فكرة مهرجان «عبر الثقافات»، وما الذي يميزه عن الفعاليات السينمائية الأخرى؟
ويقول رشيد:
«ولدت الفكرة من إيماني بأن السينما تستطيع أن تجمع أشخاصًا من ثقافات مختلفة حول قصة واحدة، حتى لو لم يتحدثوا اللغة نفسها. أردت أن أؤسس مهرجانًا يمنح الأفلام القصيرة المستقلة مساحة حقيقية للعرض، ويتيح للجمهور فرصة مشاهدة قصص وتجارب متنوعة، ثم مناقشتها والتفاعل معها. ما يميز المهرجان بالنسبة إليّ هو الجمع بين السينما والحوار، وبين العرض الفني واللقاء الإنساني».
بامبرغ.. نقطة انطلاق لمشروع عابر للحدود
اختار رشيد مدينة بامبرغ لإطلاق المهرجان باعتبارها المدينة التي يعيش فيها، ورغبة منه في الإسهام في حياتها الثقافية من خلال مشروع سينمائي منفتح على العالم.
ورغم انطلاقه من مدينة ألمانية، يحمل المهرجان طابعًا دوليًا واضحًا، إذ يفتح أبوابه أمام الأفلام القادمة من ثقافات وبلدان مختلفة، ويمنحها فرصة للالتقاء في مكان واحد. وتقوم هويته على فكرة أن المدينة المحلية يمكن أن تكون نقطة انطلاق لمشروع ثقافي يتجاوز حدودها الجغرافية.
كما يطمح المهرجان إلى بناء شبكة من العلاقات بين صناع الأفلام والمؤسسات الثقافية والجمهور، بما يساعد على تطوير دوراته المقبلة وتوسيع نطاق المشاركة فيها.
هارون رشيد.. من صناعة الأفلام إلى تأسيس مهرجان
يمتلك هارون رشيد تجربة تجمع بين التمثيل والإخراج والعمل في صناعة الأفلام والمشاريع الثقافية. فقد شارك ممثلًا في فيلم «في حضرة العدالة» عام 2013، وعمل مساعدًا في اختيار الممثلين الثانويين في فيلم «إلى أرض مجهولة» عام 2024.
وفي عام 2026، كتب وأخرج ومثّل في فيلمه القصير «متأخر، ولكن حي»، قبل أن يضيف إلى مسيرته تجربة تأسيس وإدارة مهرجان سينمائي دولي.
ويمثل «عبر الثقافات» امتدادًا لهذا المسار، إذ انتقل رشيد من المشاركة في الأعمال السينمائية إلى إنشاء منصة تتيح لصناع الأفلام تقديم أعمالهم، وتمنح الجمهور فرصة اكتشاف أصوات وتجارب جديدة.
اهتمام إعلامي وتحضيرات للدورة الثانية
حظيت المبادرة باهتمام وسائل إعلام ألمانية محلية، من بينها صحيفة «فرينكيشر تاغ»، التي تناولت فكرة تأسيس المهرجان، ومنصة «راديو التمريض»، التي سلطت الضوء على دوره في تعزيز التواصل الثقافي من خلال السينما.
وتستعد إدارة المهرجان لتنظيم الدورة الثانية يوم الأحد 24 أكتوبر/تشرين الأول 2027، مع خطط لتطوير البرنامج السينمائي، وتوسيع نطاق المشاركة، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الثقافية وصناع الأفلام من مختلف أنحاء العالم.
ومن المنتظر أن تواصل الدورة المقبلة التركيز على الأفلام القصيرة المستقلة، مع إتاحة مساحة أكبر للتفاعل بين الجمهور والمشاركين، وتوسيع حضور الأعمال التي تتناول قضايا التنوع الثقافي والهوية والهجرة والعلاقات الإنسانية.
وفي هذا السياق، طُرح على رشيد سؤال حول مستقبل المشروع:
ما الذي تسعى إلى تحقيقه في السنوات المقبلة، وهل تطمح إلى أن يصبح المهرجان موعدًا ثابتًا على الخريطة السينمائية الألمانية؟
ويجيب رشيد:
«هذا بالتأكيد أحد أهدافنا. لا أريد أن يكون المهرجان مجرد فعالية تقام مرة واحدة، بل مشروعًا ثقافيًا مستمرًا يتطور عامًا بعد عام. نعمل على الاستفادة من تجربة الدورة الأولى، وتوسيع شبكة علاقاتنا مع صناع الأفلام والمؤسسات الثقافية، واستقطاب أعمال جديدة من مختلف أنحاء العالم. ما يهمني هو أن نحافظ على هوية المهرجان كمساحة مفتوحة للجميع، وأن نمنح الأفلام المستقلة فرصة حقيقية للوصول إلى الجمهور».
ومن خلال برنامجه وأهدافه، يسعى مهرجان «عبر الثقافات» إلى ترسيخ موقعه كمنصة للأفلام القصيرة المستقلة، تجمع بين العرض السينمائي والحوار الثقافي، وتمنح صناع الأفلام والجمهور فرصة للقاء حول قصص تتجاوز الحدود.
وبينما يستعد المهرجان لدورته الثانية، يواصل القائمون عليه العمل على تطوير هويته وتوسيع حضوره، مع الحفاظ على رسالته الأساسية: استخدام السينما وسيلة للتعارف والتواصل، وإتاحة المجال أمام الأفلام القصيرة لتقديم قصص إنسانية قادرة على الوصول إلى جمهور من ثقافات مختلفة.
الموقع الرسمي للمهرجان: www.acffb.com
الموقع الرسمي لهارون رشيد: www.harounrasheed.com













