بقلم آية محمود رزق
أنت إنسان كرّمك الله بالعقل، فلا تجعل أحدًا يفكر مكانك. وأنت مصري، ومصر ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل بلد ذكرها الله في القرآن الكريم، فقال سبحانه: «اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ»، وقال: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ». لذلك قبل أن تصدق أي شخص، أو تنضم إلى أي مجموعة، أو تشارك أي رسالة، اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: من يريدني أن أفعل هذا؟ ولماذا؟ وإلى أين يقودني؟
في زمن أصبحت فيه ضغطة واحدة كافية لتدخلك إلى مجتمع كامل من الأشخاص، أصبح الوعي ضرورة وليس رفاهية. فهناك فرق كبير بين أن تستخدم الإنترنت للتعلم والنقاش، وبين أن تدخل في مجموعات سياسية مغلقة لا تعرف القائمين عليها، ولا تعرف مصادر المعلومات التي تقدمها، ولا تعرف إلى أين يمكن أن يصل بك النشاط داخلها.

ومن هنا يأتي التحذير من أي مجموعات أو مجتمعات إلكترونية تعمل على استقطاب الشباب سياسيًا، ومن بينها المجموعة المعروفة باسم GenZ002 / GenZ002 Of Egypt / جيل زد 002 المرتبطة بأنس حبيب، والتي ظهرت على منصة Discord.
وديسكورد تحديدًا يستحق أن نفهم طبيعته جيدًا. فهو ليس مجرد تطبيق للمراسلة، وإنما منصة تقوم على إنشاء «سيرفرات» تضم غرفًا نصية وصوتية متعددة، ويمكن داخل المجتمع الواحد تقسيم الأعضاء إلى مجموعات وغرف حسب الموضوع والنشاط. وهذا يجعل التواصل داخل المجتمع مستمرًا ومباشرًا، ويمكن أن يجعل الشخص يقضي وقتًا طويلًا داخل دائرة واحدة من الأشخاص والأفكار.
ولا يعني ذلك أن ديسكورد نفسه تطبيق سيئ أو أن كل من يستخدمه خطر؛ لكن عندما تتحول المنصة إلى مساحة سياسية مغلقة، يصبح السؤال واجبًا: من يدير هذا المجتمع؟ ما أهدافه؟ ما مصادر معلوماته؟ وما المطلوب من أعضائه؟
وبحسب ما أعلنته مصادر حقوقية وإعلامية، فقد ارتبطت مجموعة GenZ002 بنشاط سياسي وحشد إلكتروني، وشملت غرفًا للنقاش والمحادثات الصوتية وأنشطة مختلفة، وهو ما يجعل التعامل معها ومع أي مجموعات مشابهة أمرًا يحتاج إلى وعي شديد، خصوصًا من جانب الشباب.
لأن الاستقطاب لا يبدأ بالضرورة بطريقة واضحة.
قد يبدأ بفيديو جذاب.
ثم منشور يثير غضبك.
ثم شخص يقول لك: «تعالى ناقشنا».
ثم رابط يقول لك: «ادخل السيرفر».
ثم تجد عشرات الأشخاص أمامك يكررون الرسالة نفسها.
وبمرور الوقت، يصبح وجودك داخل المجموعة عادة، ويصبح سماع الرأي نفسه أمرًا طبيعيًا، وقد تتحول من متابع إلى مشارك، ومن مشارك إلى شخص يدعو غيره.
وهنا يجب أن تتوقف وتسأل نفسك: هل ما أفعله نابع من تفكير مستقل، أم أنني أصبحت أتأثر بما أسمعه بشكل متكرر من دائرة واحدة؟
لا تسمح لأحد أن يستغل غضبك أو حماسك أو رغبتك في التغيير.
ولا تجعل عدد المتابعين دليلًا على صحة الكلام.
ولا تجعل انتشار الهاشتاج دليلًا على الحقيقة.
ولا تجعل شهرة الشخص سببًا في أن تمنحه ثقتك بلا تفكير.
أنس حبيب ليس مصر، وأي جروب ليس مصر، وأي سيرفر ليس مصر، وأي شخص مهما كان عدد متابعيه لا يملك حق التفكير بالنيابة عنك.
ومن حق أي شاب أن يسأل ويناقش ويختلف سياسيًا، لكن من واجبه أيضًا أن يتحقق من المعلومات وألا يتحول إلى مجرد ناقل لما يسمعه من الآخرين.
والأهم: لا تجعل نفسك حلقة في سلسلة استقطاب لشخص آخر. إذا وجدت نفسك داخل مجموعة تطلب منك باستمرار نشر رسائل معينة، أو دعوة أصدقائك، أو مهاجمة كل من يختلف معها، أو التعامل مع رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة، فهنا يجب أن تتوقف وتعيد التفكير.
اسأل قبل أن تنضم.
تحقق قبل أن تصدق.
فكر قبل أن تنشر.
واعرف قبل أن تدعو غيرك.
ولا تصدق كل ما يقال عن وجود تمويل أو جهات سرية أو مؤامرات لمجرد أن منشورًا على الإنترنت ذكرها. لو كان هناك اتهام خطير، فالدليل هو الفيصل، وليس الشائعة. الدفاع عن الوطن لا يحتاج إلى اختلاق معلومات، لأن الحقيقة أقوى من أي شائعة.
وفي الوقت نفسه، لا تستهين بخطورة الاستقطاب الإلكتروني. العالم كله أصبح يعرف أن التأثير في الناس يمكن أن يبدأ من شاشة صغيرة، بكلمة صغيرة، ثم يتطور إلى مجتمع كامل من الأشخاص الذين يؤثر بعضهم في بعض.
لذلك يا شباب مصر، خلي عقلك هو خط الدفاع الأول.
لا تعطِ بياناتك لأشخاص مجهولين.
لا تدخل نشاطًا لا تفهم عواقبه.
لا تشارك روابط مشبوهة.
لا تدع أحدًا يستخدم حسابك أو اسمك في أي نشاط لا تعرف تفاصيله.
ولا تستقطب صديقًا أو قريبًا لمجموعة لمجرد أن شخصًا آخر طلب منك ذلك.
ولو واجهت دعوات للعنف أو التخريب أو أي نشاط غير قانوني، ابتعد عنها فورًا وأبلغ الجهات المختصة.
الوطن لا يحتاج شبابًا يرددون بلا تفكير، ولا يحتاج شبابًا يتم التحكم فيهم من خلف الشاشات.
الوطن يحتاج شبابًا واعيًا، يسأل، ويبحث، ويتحقق، ويختلف باحترام، ولا يسمح لأي شخص أن يحوله إلى أداة.
أنت ربنا كرّمك بالعقل.
فلا تسلمه لأي «أدمن».
ولا تسلمه لأي «سيرفر».
ولا تسلمه لأي «ترند».
ولا تسلمه لأي شخص مهما كان مشهورًا.
مصر أكبر من أي اسم، وأبقى من أي مجموعة، وأغلى من أي حملة إلكترونية.
فكر قبل أن تضغط «انضمام»، لأنك لا تعرف دائمًا ماذا يوجد خلف الباب الذي تفتحه.
احمِ عقلك… لأن عقلك أمانة.
واحفظ بلدك… لأن الوطن أمانة.
ولا تجعل أحدًا يستخدم الاثنين ضد إرادتك.













