يوسف حسن يكتب –
يبدو أن الرهان الذي وضعه جوزاف عون على المسار السياسي مع «إسرائيل» يقترب من نهايته. فمع تعثر اتفاق الإطار وسقوط الرهانات التي بُنيت على إمكانية أن تؤدي التنازلات اللبنانية إلى تغيير السلوك الإسرائيلي، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا سيفعل عون الآن؟
المشكلة أن المسار الذي اتبعه حتى اليوم لا يوحي بأنه يستعد لمراجعة حساباته أو لإعادة تقديم المصلحة اللبنانية على حسابات نتنياهو وواشنطن. بل إن المؤشرات السياسية والإعلامية المتداولة توحي بإمكانية انتقاله إلى مرحلة أكثر وضوحاً في تحميل حزب الله مسؤولية الخروقات الإسرائيلية، بدلاً من تحميل إسرائيل مسؤولية استمرار الاعتداءات.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما أثبتت الوقائع أن تقديم التنازلات لا يدفع نتنياهو إلى التراجع، يصبح المطلوب ــ وفق هذا المنطق ــ المزيد من الضغط على الداخل اللبناني، والمزيد من تحميل المقاومة مسؤولية نتائج سياسة إسرائيلية لا تتوقف عن القصف والاحتلال والتدمير.
وبحسب ما نُسب إلى تسريبات جان عزيز عبر قناة الجزيرة، فإن أحد المسارات المحتملة يتمثل في الإمعان في الرهان على التفاهم مع واشنطن، والإمعان في مواجهة حزب الله، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة يجري فيها تقديم الحزب باعتباره العقبة أمام الحل، بدلاً من التعامل مع الاحتلال والاعتداء الإسرائيلي باعتبارهما أصل المشكلة.
لكن الوقائع على الأرض تفرض سؤالاً آخر: ماذا لو كان نتنياهو نفسه قد وصل إلى قناعة بأن جوزاف عون غير قادر على تجريد حزب الله من سلاحه؟
في هذه الحالة، فإن الرهان على أن الضغوط السياسية اللبنانية وحدها ستنهي وجود السلاح يصبح رهاناً خاسراً، فيما قد تجد إسرائيل في ذلك مبرراً لتصعيد عملياتها العسكرية. ومن هنا تأتي المخاوف من انتقال التصعيد إلى مرحلة أكثر قسوة، تشمل استهداف قيادات المقاومة ومنشآتها وأنفاقها، بالتوازي مع استمرار عمليات التهجير وتدمير القرى وتوسيع رقعة الاحتلال في الجنوب.
وإذا كان نتنياهو قد حصل بالفعل على ضوء أخضر أميركي لتصعيد محدود ومضبوط، فإن هذا يعني أن المنطقة قد تكون أمام مرحلة جديدة من الضغط العسكري، لا أمام تسوية سياسية شاملة. تصعيد محسوب على جبهات لبنان وغزة والضفة الغربية، وربما سوريا، بما يسمح لإسرائيل باستخدام القوة من دون الانزلاق، وفق الرؤية الأميركية، إلى حرب إقليمية مفتوحة.
في المقابل، فإن خطاب السلطة اللبنانية نفسه بات يحتاج إلى قراءة دقيقة. فالكلمات التي يستخدمها رئيس الجمهورية ليست مجرد تفاصيل لغوية عندما يتعلق الأمر بعلاقة الدولة بالأرض والعدو والسيادة.
عندما يقال «الصراع الذي يحصل بين إسرائيل والجنوب»، فإن السؤال يصبح مشروعاً: منذ متى أصبح الجنوب طرفاً مقابلاً لإسرائيل، بدلاً من أن يكون جزءاً لا يتجزأ من لبنان؟ ولماذا تُذكر إسرائيل من دون صفة «العدو»، بينما يُقدَّم الجنوب وكأنه طرف مستقل في الصراع؟
قد تبدو العبارة عابرة، لكنها في السياسة ليست كذلك. اللغة التي تصف الصراع ترسم في كثير من الأحيان الإطار الذي يُراد للناس أن يفكروا من خلاله. وحين يُفصل الجنوب لغوياً عن لبنان، ويُفصل العدوان الإسرائيلي عن مفهوم الاحتلال والعدو، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الخطاب السياسي يتجه تدريجياً نحو إعادة تعريف المشكلة نفسها.
وهذا يتقاطع مع مسألة الطائرات الإسرائيلية التي تنتهك الأجواء اللبنانية بصورة مستمرة. فخطاب السيادة لا يمكن أن يكون انتقائياً. لا معنى للحديث عن سيادة الدولة إذا كانت الأجواء اللبنانية تُنتهك، وإذا كانت إسرائيل تواصل عمليات الاستطلاع والاعتداء، بينما يتحول النقاش الداخلي إلى مسألة سلاح حزب الله وحده.
الاختبار الحقيقي للدولة ليس في قدرتها على مطالبة طرف لبناني بالتنازل عن سلاحه، بل في قدرتها أولاً على حماية حدودها وأجوائها وأراضيها من الاعتداء الخارجي. السيادة لا تُقاس فقط بمدى السيطرة على الداخل، وإنما أيضاً بمدى القدرة على منع الخارج من فرض إرادته بالقوة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه جوزاف عون ليس فقط كيف يتعامل مع حزب الله، بل كيف يتعامل مع إسرائيل. فإذا كانت الدولة غير قادرة أو غير راغبة في مواجهة الخروقات الإسرائيلية، ثم اختارت في الوقت نفسه تحميل المقاومة مسؤولية استمرار التصعيد، فإن النتيجة ستكون قلباً للأولويات: يصبح المعتدي في موقع الطرف الذي يضع الشروط، بينما يتحول المعتدى عليه إلى الطرف المطلوب منه تقديم التنازلات.
أما اتفاق الإطار، فإن سقوطه أو تعثره يكشف حدود الرهان على أن التفاوض وحده قادر على إنتاج تسوية. التفاوض يحتاج إلى توازن في الالتزامات، وإلى طرف وسيط قادر على ممارسة الضغط على الجانبين.
أما أن يكون وقف الاعتداءات الإسرائيلية غير مضمون، وأن تكون المطالب الموجهة إلى لبنان مفتوحة ومتزايدة، فهذه ليست تسوية بقدر ما هي عملية ضغط سياسي متدرج.
وفي هذا السياق، فإن تلة علي الطاهر ليست مجرد نقطة جغرافية أخرى في الجنوب. تمسك حزب الله بها، وفق المواقف المتداولة، يعكس استمرار الصراع حول الأرض والوجود الأمني الإسرائيلي في المناطق التي لم تُحسم فيها معادلة الانسحاب والسيادة. ولذلك فإن أي محاولة لتجاوز هذا الملف عبر خطاب سياسي لا يعترف بجوهر النزاع لن تؤدي بالضرورة إلى إنهائه.
الخطر الأكبر هو أن يتحول الفشل في المسار السياسي إلى ذريعة لتصعيد داخلي. فإذا لم تنجح السلطة في إقناع إسرائيل بالانسحاب، فقد يصبح حزب الله هو الهدف الأسهل لتحميله مسؤولية الفشل. وإذا لم تتوقف الاعتداءات، فقد يجري تقديم المقاومة باعتبارها سبباً لاستمرارها. وهكذا تتحول المعادلة من «كيف نوقف العدوان؟» إلى «كيف نجبر المقاومة على التنازل؟».
وهذه هي النقطة التي يجب التوقف عندها.
الخلاف السياسي في لبنان يمكن أن يكون مشروعاً، والاختلاف حول سلاح حزب الله يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش الداخلي، لكن تحويل الاحتلال والعدوان الإسرائيلي إلى نتيجة للخلاف الداخلي هو مسار آخر تماماً. لأن ذلك يعني، عملياً، إعفاء إسرائيل من مسؤولية أفعالها، وإعادة تعريف المشكلة بحيث يصبح اللبناني نفسه مسؤولاً عن العدوان الواقع عليه.
أما التطبيع مع إسرائيل أو التعاون معها تحت عنوان الواقعية السياسية أو تجنب الحرب، فلا يمكن فصله عن السياق الذي يجري فيه. عندما يستمر الاحتلال والقتل والتهجير والتدمير، فإن أي مسار يؤدي إلى منح المعتدي شرعية سياسية من دون إنهاء اعتداءاته لا يمكن تقديمه ببساطة على أنه «حياد» أو «حنكة».
الخيانة، في هذا السياق، ليست مجرد وجهة نظر في قاموس سياسي. التعاون مع عدو يحتل أرضاً ويعتدي على بلدك يطرح سؤالاً سيادياً وأخلاقياً لا يمكن تغطيته بشعارات الدبلوماسية.
لقد سقط الرهان على أن التنازلات وحدها ستجعل نتنياهو يتراجع. وسقط معه الوهم بأن التقارب مع واشنطن يعني بالضرورة أن واشنطن ستضغط على إسرائيل لمصلحة لبنان.
ويبقى السؤال: إذا كان المسار السياسي قد وصل إلى هذا المأزق، فهل تكون الخطوة التالية مراجعة الرهان، أم مضاعفة الضغط على حزب الله وتحميله مسؤولية فشل التسوية؟
الجواب على هذا السؤال سيحدد، إلى حد بعيد، ما إذا كان لبنان يتجه نحو تسوية تحفظ سيادته، أم نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الداخل اللبناني هو ساحة الضغط البديلة عن فشل التفاوض مع إسرائيل.













