بقلم/ رئيس إتحاد القبائل العراقية
عدنان صگر الخليفه
قراءة في فلسفة الوعي المتألم والمسؤولية التاريخية للجيل الجديد
يتوجه هذا المقال ببالغ الشكر والامتنان والتقدير الفائق لصاحب الاستفتاء الفكري النبيل الذي كان لطرحه وسؤاله الفلسفي العميق الفضل الأساس في إيقاد شعلة هذا الحوار وبناء هذه القراءة التحليلية؛ إذ إن السائل الكريم بتساؤله ذاك لم يطرح مجرد استفهام عابر بل نبهنا بذكاء ووعي حادين إلى قضية إستراتيجية مفصلية تقع في صلب تكوين الإنسان العراقي المعاصر وما آل إليه وضعه القيمي والنفسي جراء الظروف القاهرة المترتبة عليه منذ عهود الحصار الجائر وما تلاه من هزات واحتلال وتجريف، ممهداً الطريق لتفكيك معضلة الخيارات البشرية والوجودية أمام الأزمات المصيرية. إن صلب هذا الاستفتاء وجوهره يقوم على مفاضلة ثلاثية الأبعاد بين مسارات وجودية حتمية؛ وتتجلى الأفضلية الفكرية والروحية في خيار “الموت جائعاً” حينما يكون الجوع ثمناً لصون الأنفة والكرامة ورفض الدناءة والمساومة على المبادئ، ليتحول موت الجسد هنا إلى وثيقة خلود للفكرة وانتصار قيمي يعلو على البقاء البيولوجي المذل، في حين تمثل أفضلية “العيش بالألم” ذروة الوعي الإنساني الحاد والمقاوم، حيث يكون الألم دليلاً على يقظة العقل والضمير والتفاعل الحي مع قضايا المجتمع وأوجاع الأمة وهو المحرك الأساس للإصلاح والكتابة والثبات الذي سار عليه الأنبياء والأوصياء والمفكرون الأحرار عبر التاريخ مضحين بحالتهم المادية من أجل بقاء الموقف؛ وعلى النقيض تماماً يسقط خيار “العيش بلا شعور بالألم” في قاع البلادة الروحية والجمود الفكري كنوع من الموت الوجودي والبيولوجي مع وقف التنفيذ، وهو أخطر المسارات لأنه يعكس حالة الاستسلام التام لسياسات التجهيل والقبول بالعيش الهامشي ككائن مستهلك بلا موقف ولا أثر. وعند إنزال هذا التمايز الفلسفي والوجداني على واقع المجتمع العراقي الحالي، نجد أن متوالية التجريف الفكري والأخلاقي لم تأتِ عبثاً أو تصادقاً، بل زرعت وهندست بعناية فائقة عبر عقود ممتدة بدأت منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي حين طحن الحصار الجائر عظام المجتمع وجعل الهم الأوحد للفرد هو البقاء البيولوجي، وتعمقت بعد عام ألفين وثلاثة بسياسات التجهيل الممنهج وتفتيت المشتركات الوطنية لصالح النفعية والاستئثار، مما دفع الأغلبية نحو آلية دفاعية نفسية للانكفاء والهروب والقبول بالعيش بلا شعور بالألم تجنباً للملاحقة أو الاستنزاف، ورسخ في الوجدان العام مفاهيم طارئة ودخيلة مثل مقولة أنا ومن بعدي الطوفان أو الأنانية الفردية التي لم تكن تشبه الكينونة العراقية الأصيلة قبل بضعة عقود. وهنا تبرز الحاجة الملحة لتفكيك هذا المشهد وتوجيه الخطاب مباشرة إلى الجيل الجديد، الشباب الذين يقع على عاتقهم بناء العراق الحديث؛ إذ يجب ألا يرى هذا الجيل في الأنانية الحالية قدراً محتوماً، بل عارضاً مرضياً طارئاً أنتجته منظومات الفساد لتجريد الشاب العراقي من أعظم عناصر قوته وهي التكافل والتلاحم الاجتماعي. إن العراق الحديث لا يمكن أن يُبنى بنماذج مستوردة أو بإنكفاء فردي، بل يستلزم بالضرورة استعادة “الكينونة العراقية” التي تدرك أن الفرد لا يعيش وحيداً بل هو جزء من بيئة متكاملة، يتأثر أمنه الشخصي بأمن جاره، ويقترن شبعه بضمان لقمة عيش أبناء منطقته، وهي المفاهيم التي صاغت وعي المجتمع العراقي لقرون طويلة وجعلت من “الغيرة” و”الشهامة” قوانين اجتماعية صارمة تفوق القوانين الوضعية في الردع والحماية. إن على الجيل الجديد أن يدرك أن الإيمان الحقيقي ليس طقوساً معزولة، بل هو تجسيد يومي لقيم التكافل الإنساني والضمان المجتمعي التي نادى بها الأنبياء والأوصياء، والتي تجلت في أبهى صورها التاريخية حين قدم الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه أسمى نماذج الثبوت القيمي متحملاً العطش والجوع ليرسم للبشرية معالم الحرية والرفض؛ فالامتداد الحقيقي لهذا الخط الرسالي في عراق اليوم لا يكون بالبكاء على الماضي، بل بالوقوف الشجاع ضد التجهيل، وبحماية مؤسسات الدولة وقضائها الوطني، وإسناد القلة المخلصة التي تحارب لمنع التفريط بسيادة البلد وحدوده البرية والبحرية. إن التحذير المصيري القائم اليوم يشير بلا لبس إلى أن هذا المخطط التجريفي يتجه نحو ذروته الكلية بحلول العقد القادم أو الذي يليه ما لم يستفق المجتمع لنفسه، ويتحمل حراس الذاكرة الوطنية من الأجيال التي عايشت الأخلاق الحقيقية والبيئة المتكاملة مسؤوليتهم التاريخية في الانتقال من العاطفة والتحسر إلى التدريس الممنهج والترسيخ الفكري لهذه القيم في عقول جيل الشباب، ليتعلم الجيل الجديد كيف يحول الوعي بالألم إلى طاقة تغيير وبناء، ويكسر هذه المتوالية الخبيثة ويوقظ الأغلبية من سباتها الوجودي، ليعود العراق كما كان: بيئة متكاملة كادحة، متضامنة، وعصية على الهدم والتبديد.













