بقلم/ عدنان صگر الخليفه
يمر الواقع العراقي اليوم بمنعطف تشريعي ورقابي بالغ الحساسية، أعاد إلى الأذهان التساؤلات الكبرى حول جدوى القوانين في بيئة محكومة بالمحاصصة منذ عام 2003. وتبرز اليوم على السطح قضية وكيل وزارة النفط، عدنان الجميلي، لتشغل الحيز الأكبر من اهتمام الرأي العام لكونها تمس عصب الاقتصاد الوطني، وسط تساؤل مركزي: هل ستكون هذه القضية نسخة مكررة من سيناريو “سرقة القرن” الكارثي، أم أن السلطات ستذهب بالملف إلى نهاياته القانونية لفرض هيبة الدولة؟
تأتي هذه القضية في توقيت مشحون سياسياً يشابه تداعيات قضية “نور زهير”، إلا أن الفارق يكمن في السلوك الحكومي؛ فبدلاً من الاستعراض التلفزيوني الصاخب والوعود الرنانة السابقة التي انتهت بتمييع الملف وتهريب السراق، اختار رئيس الوزراء الحالي، علي الزيدي، الصمت التنفيذي التام تاركاً المسار للإجراءات القضائية الهادئة. هذا الصمت ينقسم الشارع في تفسيره؛ بين من يراه تكتيكاً لتبريد الملف تمهيداً لطبخ تسوية صامتة في الغرف المغلقة لتشابك الخيوط مع قوى النفوذ، وبين من يراه بناءً لملف جنائي رصين بعيداً عن صخب الإعلام الذي أفسد قضايا كبرى سابقة.
إن المعضلة الأبرز التي تواجه المؤسسات الرقابية في العراق هي لجوء التكتلات المتنفذة، فور انكشاف الفساد، إلى تكتيك “تسييس الجريمة” كخط دفاع أول لحماية شبكاتها العميقة، والترويج بأن التحقيق ليس إلا استهدافاً سياسياً وتصفيات حركية يقودها رئيس الوزراء ضد خصومه. هذا الالتفاف الممنهج يهدف إلى نقل المعركة من ساحة القضاء والنزاهة إلى ساحة السجال الإعلامي، وتحويل سرقة قوت الشعب إلى مجرد خلاف وجهات نظر، مما يمهد الطريق لإبرام صفقات توافقية تحت لافتة الحفاظ على الاستقرار السياسي وإعادة ترتيب الأوراق بين الكبار.
وعلى الرغم من هذه المخاوف، فإن قضية عدنان الجميلي تحمل أوراق قوة مادية ملموسة تجاوزت الإطار الإنشائي؛ إذ وضعت الدولة يدها عبر ضربة استباقية على أصول وثروات ضخمة شملت أربعين عقاراً مسجلاً باسم المتهم والمقربين منه، فضلاً عن سيولة مالية كاش تم التحفظ عليها تقارب عشرة ملايين دولار وثلاثة مليارات دينار، إلى جانب كميات من الذهب. وجود هذه الأموال تحت يد العدالة يمثل المحك الحقيقي، فالوعي الجمعي العراقي لن يصدق الإجراءات البروتوكولية إلا إذا اقترنت بجلسة نطق بالحكم القطعي والمشدد، ومصادرة هذه الأموال رسمياً، مع سحب الحصانة عن كل الرؤوس الكبيرة التي يعترف عليها المتهم دون انتقائية أو خطوط حمراء.
إن بقاء القانون العراقي رهينة لأمزجة الكتل يمثل الطعنة الأكبر في خاصرة الوطن، ولكي نتحرر من خطيئة “سرقة القرن” ومنطق التسويات المرير، يجب أن تشكل قضية وزارة النفط الحالية نقطة التحول نحو بناء عدالة ناجزة تعيد الثقة بالمؤسسات. إن المطلوب اليوم هو غطاء سياسي وتنفيذي شجاع يحمي قرارات القضاء ويمنع تحويل الملفات الثقيلة إلى أوراق ابتزاز خلف الكواليس، مسنداً بضغط شعبي ومواقف النواب المستقلين والشخصيات الوطنية؛ فالأيام القادمة كفيلة بفرز الحقيقة عن المناورة، فإما أن يمضي القانون إلى نهاياته العادلة لتأسيس عصر المحاسبة، أو يخضع لابتزاز الغرف المظلمة ومبدأ “عفا الله عما سلف”، لتبقى أموال العراق وثروات أجياله تذهب مع الريح.
4 حزيران 2026













