بقلم: د. داود زرین بور
في هذه الأيام، يودّع العالم الإسلامي القائد الشهيد للجمهورية الإسلامية الايرانية السيد علي الخامنئي، الذي كرّس عمره لخدمة الإسلام، وترسيخ قيم القرآن، والدفاع عن قضايا الأمة، والدعوة إلى وحدتها. وقد شهدت مراسم تشييعه مشاركة وفود وشخصيات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وكان من بينها وفد من جمهورية مصر العربية، في مشهد عكس أن الشخصيات التي تترك أثراً عميقاً في وجدان الأمة تظل محل تقدير واحترام، مهما اختلفت الرؤى السياسية أو تباينت المواقف.
وسوف يتناول الباحثون والمفكرون أبعاداً متعددة في شخصية القائد الشهيد، غير أنني أرى أن ثمة مفتاحاً أساسياً لفهم هذه الشخصية، تنبثق منه كثير من مواقفه ورؤاه، وهو القرآن الكريم. فمن يتأمل سيرته يدرك أن القرآن لم يكن عنده كتاباً يُتلى فحسب، بل كان منهجاً لبناء الإنسان، وأساساً لبناء المجتمع، ورؤيةً متكاملةً لبناء الأمة.
ومن هذا المنطلق، لم يكن حديثه الدائم عن وحدة المسلمين خطاباً سياسياً فرضته الظروف، ولا شعاراً مرحلياً تقتضيه التحديات، وإنما كان امتداداً مباشراً للهداية القرآنية. فقد كان يؤمن بأن الوحدة ليست خياراً تكتيكياً، بل فريضة حضارية، وضرورة شرعية، وسبيلاً لحفظ قوة الأمة ومنعتها.
ولم يكن يستند في ذلك إلى قراءة سياسية للواقع فحسب، وإنما إلى نصوص القرآن الكريم التي جعلت الاجتماع مصدر القوة، والتنازع سبباً للضعف والانهيار، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
كما أن القرآن يذكّر المسلمين بأعظم نعمة امتنّ الله بها عليهم، وهي تحويل العداوة إلى أخوّة، فقال سبحانه:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
ولهذا ظل القائد الشهيد يؤكد، في مختلف المناسبات، أن صيانة وحدة الأمة تبدأ من احترام مقدسات المسلمين جميعاً، وأن الاختلاف المذهبي لا يجوز أن يتحول إلى خصومة أو إساءة أو تحريض. وفي هذا السياق جاءت فتواه التاريخية التي حرّمت الإساءة إلى أمهات المؤمنين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي فتوى عكست فهماً قرآنياً عميقاً يقدّم وحدة الأمة على كل ما يثير الفرقة ويغذي الفتن.
غير أن العلاقة بالقرآن في شخصية القائد الشهيد لم تقتصر على تدبر معانيه، بل امتدت إلى تذوق جماله، واستيعاب الأثر الروحي الذي تصنعه التلاوة الخاشعة في النفوس.
ولعل من المناسب استحضار هذا الجانب في هذه الأيام، مع انطلاق الموسم الثاني من برنامج «دولة التلاوة»، الذي نجح في موسمه الأول في استقطاب ملايين المتابعين داخل مصر وخارجها، وأعاد تسليط الضوء على المدرسة المصرية العريقة في التلاوة، مؤكداً من جديد مكانة مصر بوصفها إحدى أهم الحواضن التاريخية لفن التلاوة القرآنية في العالم الإسلامي.
ولم يكن تقدير القائد الشهيد لمصر نابعاً من اعتبارات سياسية عابرة، وإنما من معرفة عميقة بمكانتها الحضارية والعلمية. ويشهد على ذلك خطبته العربية الشهيرة عن مصر، التي تحدث فيها بلغة العالم العارف بتاريخ هذه البلاد، فأشاد بالأزهر الشريف، واستحضر مكانة مصر في الوجدان الإسلامي، وأشار إلى أعلامها الذين أسهموا في نهضة الفكر والثقافة الإسلامية. ومن يقرأ تلك الخطبة يدرك أن حديثه عن مصر كان حديثاً عن ركن أصيل من أركان الحضارة الإسلامية، لا عن دولة تربطها بإيران علاقات سياسية فحسب.
وفي هذا السياق، أتذكر حديثاً دار بيني وبين المرحوم الأستاذ عاطف مصطفى، النجل الأكبر للقارئ الكبير الشيخ مصطفى إسماعيل، رحمه الله، عندما تشرفت بزيارته في منزله. قال لي يومها: «إن قائدكم يفهم القرآن… وهو سميّع ويفهم النغم القرآني أيضاً»
ثم أضاف أنه شاهد مقطعاً مصوراً للقائد الشهيد، يذكر فيه أنه قبل انتصار الثورة الإسلامية كانت تسجيلات الشيخ مصطفى إسماعيل تصل إليه عبر أحد الأصدقاء الذين كانوا يترددون على مصر، وأنه كان يحرص على الاستماع إليها باستمرار، حتى قال إن تلاوة الشيخ مصطفى تركت في نفسه أثراً بالغاً، وإنه بعد التعرف على هذا الأداء القرآني الفريد قلّما وجد تلاوة تمنحه الأثر الروحي نفسه.
وهذه الشهادة لا تعبر عن إعجاب بقارئ عظيم فحسب، وإنما تكشف عن فهم عميق لقيمة المدرسة المصرية في التلاوة، تلك المدرسة التي استطاعت أن تجعل جمال الأداء خادماً لمعاني القرآن، وأن تربط بين روعة الصوت وعمق الرسالة، حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من الذاكرة الروحية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
ولعل هذا هو أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية القائد الشهيد؛ فقد جمع بين جناحين متكاملين: فهم القرآن، وحسن تلاوة القرآن. كان يرى أن تدبر الآيات هو الذي يبني الوعي، ويهدي الأمة إلى أسباب القوة والوحدة، وأن التلاوة الجميلة تفتح القلوب لتلقي تلك الهداية. فالقرآن في نظره لم يكن نصاً يُقرأ فحسب، ولا صوتاً يُطرب الأسماع، بل كان مشروعاً متكاملاً لإحياء الأمة؛ بعقول تستضيء به، وقلوب تخشع له، وألسنة تتلوه حق تلاوته.
وربما لهذا السبب بقي مؤمناً بأن الأمة التي تجتمع حول القرآن، فهماً وتدبراً، وتلاوةً وعملاً، هي الأمة الأقدر على تجاوز خلافاتها، واستعادة وحدتها، وصناعة مستقبلها. فكما يجمع القرآن القلوب بجمال تلاوته، فإنه يجمعها أيضاً بعظمة هدايته؛ وهنا يكمن المعنى الأعمق الذي ميّز مسيرة القائد الشهيد السيد علي الخامنئي.












