الباحثة اللوجيستية نوران الرجال
أصبح الشمول المالي الرقمي في السنوات الأخيرة من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يهدف إلى إدماج الفئات التي لا تحصل على خدمات مالية كافية داخل النظام المالي الرسمي، من خلال استخدام وسائل حديثة مثل الهواتف المحمولة، والمحافظ الإلكترونية، وتطبيقات الدفع الإلكتروني، ويساهم هذا التحول في تسهيل الوصول إلى الخدمات المالية وتقليل تكلفتها، بالإضافة إلى تشجيع الأفراد على الادخار والحصول على التمويل بسهولة أكبر.
ولا يُعتبر التحول الرقمي في القطاع المالي بديلاً عن الخدمات المصرفية التقليدية، بل هو عنصر مكمل لها، حيث يساعد في توسيع نطاق الخدمات المالية لتشمل شرائح أكبر من المجتمع. وقد ساهم هذا التوجه في تحسين مستوى الشمول المالي على مستوى العالم، وزيادة قدرة الأفراد على إدارة أموالهم والتعامل مع الأزمات الاقتصادية بشكل أفضل، خاصة النساء وسكان المناطق الريفية.
ويرتبط الشمول المالي الرقمي بشكل مباشر بأهداف التنمية المستدامة، إذ يساهم في تقليل الفقر من خلال تمكين الأفراد من ادخار أموالهم وإدارة دخولهم بشكل أفضل، كما يسهل حصولهم على الدعم المالي والتحويلات الحكومية بسرعة وأمان. بالإضافة إلى ذلك، يساعد صغار المزارعين وأصحاب المشروعات الصغيرة في الحصول على التمويل اللازم لتطوير أعمالهم وزيادة الإنتاج.
وفي مجالات التعليم والصحة، يوفر الشمول المالي الرقمي حلولاً مرنة تساعد الأسر ذات الدخل المحدود على سداد المصروفات التعليمية وتكاليف العلاج، مما يخفف من الأعباء المالية عليهم، كما يسهم في تعزيز دور المرأة اقتصاديًا من خلال إتاحة الفرصة لها لإدارة أموالها بشكل مستقل، وهو ما يساعد على تقليل الفجوة بين الجنسين.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن انتشار الخدمات المالية الرقمية يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة في مجالات التكنولوجيا المالية وريادة الأعمال، كما يساعد على دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل الاقتصاد الرسمي، مما ينعكس إيجابًا على زيادة الإيرادات الضريبية وتحسين التخطيط الاقتصادي للدولة.
كما امتدت آثار الشمول المالي الرقمي إلى قطاعات أخرى مثل الطاقة والمياه، حيث ساعدت أنظمة الدفع حسب الاستخدام في توفير خدمات الطاقة النظيفة والمياه بأسعار مناسبة، مما يساهم في تحسين مستوى المعيشة.
ورغم هذه الإيجابيات، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه الشمول المالي الرقمي، وعلى رأسها مخاطر الأمن السيبراني، مثل اختراق البيانات وسرقة المعلومات الشخصية والهجمات الإلكترونية، كما توجد مخاطر تتعلق بتعطل الأنظمة أو فقدان البيانات، إضافة إلى ضعف وعي بعض المستخدمين بطرق الحماية الرقمية، مثل استخدام كلمات مرور قوية أو تأمين الهواتف المحمولة.
وفي هذا السياق، شهدت مصر تطورًا ملحوظًا في مجال الشمول المالي، حيث ارتفعت نسبته إلى حوالي 71% بحلول عام 2024، مدعومة بالتوسع في خدمات الدفع الإلكتروني وتطبيقات الدفع اللحظي، وهو ما يعكس نجاح الدولة في دعم التحول الرقمي في القطاع المالي.
وفي النهاية، يمكن القول إن الشمول المالي الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في دعم التنمية المستدامة، إلا أن تحقيق أقصى استفادة منه يتطلب تعزيز البنية التكنولوجية، وتطوير التشريعات الرقابية، وزيادة الوعي لدى المستخدمين لضمان استخدام آمن وفعال للخدمات المالية الرقمية.













