صدى الأخبار
عبد الفتاح العقيلي – الدار البيضاء المغرب
صدر مؤخرًا بيان عن مجلس مقدّمي الطريقة المنيرية المنسوبة إلى القادرية البودشيشية، اتسم — في مجمله — بنبرة هادئة، وقد قُدِّم باعتباره كلمة فاصلة في شبهات طال حولها الجدل وتعددت بشأنها القراءات. غير أن ما يستوقف المتأمل في هذا البيان ليس فقط ما صرّح به، بل أيضًا ما سكت عنه؛ إذ إن واقع الطريقة القادرية البودشيشية اليوم يبدو متوزعًا بين تصورين مختلفين لمفهوم المشيخة:
• تصور يستند إلى وصية مكتوبة أُثير حولها قدر من الجدل والقرائن المتباينة،
• وتصور آخر يُحيل إلى السلوك العملي المتصل بسيدي حمزة وسيدي جمال رحمهما الله، وإلى ما صدر عن المؤسسة الدينية الرسمية بالمملكة باعتباره ذا دلالة في هذا الباب.
ومن يقرأ البيان بمعزل عن هذا المعطى الثاني، قد لا يحيط بصورة مكتملة عن تعقيد المشهد وتشابك مستوياته.
ومن هذا الموضع أكتب هذه السطور، بوصفي مريدًا منتسبًا إلى مشيخة سيدي معاذ القادري بودشيش، الذي يرى فيه عدد من مريديه امتدادًا للسند التربوي لسيدي حمزة وسيدي جمال رحمهما الله، وتزكية من المؤسسة الدينية في المملكة؛ مع التزامي بما يقتضيه أدب التصوف من تجرد في الخطاب، وتحاشٍ لكل ما يمس الأشخاص أو المقامات.
أولًا: في المشيخة — هل تكفي الوصية وحدها لإثبات الأهلية؟
تقوم بعض التصورات المعاصرة للمشيخة في عدد من الطرق الصوفية على فكرة الوصية المكتوبة أو التعيين الموثق، غير أن هذا التصور لا يكفي بمفرده حين يُقارن بالتصور الكلاسيكي للمشيخة في التجربة الصوفية السنية، حيث ظلت الأهلية الروحية والسلوك العملي محورًا أساسيًا في الاعتبار.
فالمشيخة في المدرسة الصوفية المغربية لم تُبنَ تاريخيًا على مجرد نقلٍ شكلي أو وراثةٍ مكتوبة، بل ارتبطت بالتربية والمجاهدة والصحبة الطويلة للشيخ، حتى تتشكل الأهلية من خلال التجربة لا من خلال النص وحده.
وقد قرر الإمام القشيري أن صحبة الشيخ أصل في التربية والإذن، واعتبر الإمام زروق أن المشيخة لا تنعقد إلا بتحقق الأهلية وشاهد الحال، وذهب ابن عجيبة إلى أن من لم يذق الطريق ذوقًا لا يمكنه أن يكون دالًا عليها على وجه التحقيق.
وعند استحضار هذا الميزان في سياق التجربة المعاصرة، يرى كثير من المريدين أن سيدي معاذ القادري بودشيش قد عاش صحبة ممتدة مع سيدي حمزة ثم سيدي جمال رحمهما الله، تخللتها مراحل من التربية العملية والملازمة والتكليفات التربوية والتنظيمية، في سياق عرفه أهل الطريقة بوظائف التدبير والإشراف التربوي.
كما يُستأنس في هذا السياق بما نُقل من عبارات رمزية عن سيدي حمزة القادري بودشيش، من قبيل توصيفه بـ«ربان السفينة»، وهي عبارة في لغة التصوف تشير إلى من يتولى تدبير الشأن التربوي داخل السلوك الجماعي للطريقة.
ويُضاف إلى ذلك ما صدر عن المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة، في إطار ما يُنظر إليه من كون إمارة المؤمنين مرجعية جامعة في تنظيم الشأن الديني وحفظ توازنه، وهو ما يجعل بعض الوقائع ذات دلالة رمزية داخل هذا السياق الخاص.
ثانيًا: في تسجيل اسم الطريقة بفرنسا — بين الحماية القانونية والإشكال الرمزي
يُقدَّم تسجيل اسم الطريقة في فرنسا باعتباره إجراءً قانونيًا يهدف إلى حماية الاسم من الاستغلال أو الانتحال، وهو إشكال جوهري يطرح بقوة بسبب تحويل الطريقة من إرث روحي إلى ماركة تجارية.
غير أن النقاش الكبير أُثير حول طبيعة بعض التصنيفات القانونية المرتبطة بهذا التسجيل، والتي لم تقتصر على الأنشطة الدينية أو الثقافية، بل امتد إلى مجالات أخرى ذات حساسية رمزية كالقمار. وهنا يبرز تساؤل مشروع حول مدى انسجام هذه التوسعات مع الصورة الرمزية لطريقة صوفية سنية تُقدّم نفسها باعتبارها حاملًا لتراث تربوي وروحي متوارث.
ولا يتعلق الأمر في جوهره بمسألة تقنية محضة، بقدر ما يتعلق بالدلالات الرمزية التي قد تُفهم من إدراج اسم طريقة روحية في مجالات لا تنسجم في الوعي الشرعي العام مع مقاصدها التربوية.
وقد قيل في سياق التوضيح إن بعض هذه الإجراءات تمت بشكل فردي من بعض المنتسبين، لا في إطار قرار مؤسسي شامل. غير أن هذا الطرح يفتح بدوره سؤالًا آخر حول حدود الضبط المؤسسي داخل البنية التنظيمية للطريقة، ومدى الإحاطة بما يُنسب إليها في الفضاء القانوني العام.
ثالثًا: في معهد الفتح بمداغ — بين التوصيف الإعلامي والوضع الإداري
من الملفات التي أُثير حولها نقاش أيضًا طبيعة المبنى المعروف بمعهد الفتح بمداغ؛ إذ يوصف في بعض الخطابات بأنه معهد للدراسات الإسلامية والصوفية، لا يزال قيد الإنجاز، بينما تشير المعطيات الإدارية الرسمية إلى أنه سُجل بصفة مسجد، وأنه أُقيمت فيه شعائر الجمعة خلال حياة سيدي جمال رحمه الله.
ويبدو أن الإشكال هنا لم يعد متعلقًا بالتوصيف الإعلامي فحسب، بل بتباين القراءات حول الوضع الإداري والقانوني للمكان، وهو ما يُحال في أصله إلى الجهات المختصة باعتبارها المرجع في ضبط هذا النوع من التحديدات.
كما أن توقف إقامة صلاة الجمعة في هذا الفضاء في فترة لاحقة زاد من توريط الفئة المنيرية، وهو ما فتح المجال لتعدد التأويلات والتساؤلات التي تشكل نقاطًا سوداء لدى الجهات المختصة.
رابعًا: في حضور الرموز — سؤال الانسجام والدلالة
لا يختلف اثنان في أن الولاء لأمير المؤمنين يشكل أحد الثوابت الدينية والدستورية في المغرب.
غير أن الإشكال الذي يُطرح يتمثل في طبيعة توظيف الرموز، ومدى الانسجام بين الدلالة الرمزية للصورة الرسمية وبين السياقات التأويلية التي تُدرج فيها داخل الخطاب الطرقي أو الإعلامي. فالمسألة هنا ليست في أصل الرمزية، وإنما في كيفية توظيفها، ومدى اتساق ذلك مع البنية العامة للاعترافات والتصورات داخل الحقل الديني.
خامسًا: في الاتحاد العالمي للطرق الصوفية — بين الانفتاح الروحي والمرجعية المذهبية
ومن القضايا التي أُثير حولها نقاش أيضًا مسألة الانخراط في «الاتحاد العالمي للطرق الصوفية»، حيث يرى عدد من الباحثين أن بعض التوجهات المعلنة داخله، خصوصًا ما يرتبط بخطابات التقارب المذهبي والسياسي، تثير تساؤلات في ضوء الثوابت العقدية والمذهبية التي يقوم عليها النموذج الديني المغربي.
وفي هذا السياق يُستحضر قرار المغرب قطع علاقاته مع إيران سنة 2018، وما رافقه من تأكيد رسمي على أهمية حماية الأمن الروحي ووحدة المذهب المالكي السني، باعتباره إطارًا جامعًا.
ومن هنا يبرز السؤال حول حدود التفاعل مع مثل هذه الأطر الدولية: هل يندرج ذلك ضمن الانفتاح الروحي المنضبط، أم أنه قد يتجاوز ذلك إلى مساحات تأويلية أوسع؟
ومع ذلك، يظل حب آل البيت جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية المغربية، غير أنه تاريخيًا ظل مندمجًا داخل الإطار المالكي السني، دون أن يُفهم على أنه خروج عن مرجعيته الجامعة.
خاتمة: السلوك قبل الشعارات
لا تُقرأ هذه الملاحظات في سياق الخصومة أو المفاصلة، بقدر ما تُفهم في إطار محاولة الاقتراب من أسئلة المشيخة في صورتها المركبة، بين النص والسلوك، وبين الادعاء والتجربة.
فالجميع يجمعهم إرث روحي واحد، ونسب تربوي مشترك، ومحبة لشيوخ الطريقة ورجالاتها.
غير أن الوفاء لهذا الإرث يقتضي أن يبقى ميزان المشيخة مرتبطًا بالسلوك المتحقق، والتربية المشهودة، والاستقامة العملية، لا بمجرد الوثائق أو الشعارات أو البيانات.
فالحق لا يُدرك بحدة الخطاب ولا بهدوئه، وإنما بما تؤيده الوقائع، ويشهد له السلوك، ويستقر في ميزان الشرع والتربية. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.













