بقلم: خيري عبد الغني محمود _ كيميائي ومدير عمليات
إن أشد ساعات الليل ظلمة هي تلك التي تسبق مباشرة طلوع الفجر.
يحفل التاريخ البشري، سواء في قاعات المختبرات، أو في أروقة الإدارة والمصانع، بلحظات فارقة يقف فيها الإنسان على حافة اليأس والانهيار. الفارق الوحيد بين أن تُكتب في سجلات التاريخ كعابر سبيل أو كصانع للأحداث، كان يتلخص غالباً في قرار واحد: التوقف أو المضي خطوة أخرى. في الأمثلة التالية نرى كيف يمكن أن تتحول لحظة يأس إلى نهاية تجعلك نسيا منسيا أو بداية تجعلك رائدا عظيما في مجالك:
في أواخر القرن التاسع عشر، أصابت حمى البحث عن الذهب، عائلة داربي، فاستثمروا كل ما يملكون في معدات حفر وتعدين في كولورادو. بعد أسابيع من العمل الشاق، وجدوا عرقاً من الذهب، لكن فجأة انقطع العرق واختفى. استمروا في الحفر بأسى ويأس حتى نفد صبرهم وأموالهم، فقرروا التخارج (Exit Strategy) بالاستسلام وبيع المعدات لتاجر خردة ببضعة دولارات، وعادوا أدراجهم.
تاجر الخردة لم يعتمد على الحظ، بل استعان (consultation) بمهندس تعدين لدراسة الطبقات الجيولوجية. اكتشف المهندس أن العرق لم يختفِ، بل تحرك بسبب فالق أرضي، وأنه يبعد فقط ثلاثة أقدام عن النقطة التي توقف عندها آل داربي حقق تاجر الخردة ملايين الدولارات، بينما أصبحت قصة داربي مضرباً للمثل في الاستسلام قبل الوصول للهدف بخطوة.
طوال عقد واجه الفلكي والمنجم الألماني يوهانس كبلر لحظات من اليأس المدقع. قضى كيبلر قرابة عقد كامل يحاول إثبات أن كوكب المريخ يدور في مدار دائري مثالي يتطابق مع النموذج الموروث (Legacy Paradigm)). كل حساباته كانت تفشل وتتعارض مع البيانات الرصدية بفارق ضئيل جداً. كتب كيبلر في مذكراته عن إحباطه العميق وشعوره بأنه يطارد أشباحاً، وأنه كاد أن يفقد عقله ويتخلى عن أبحاثه. لكنه في لحظة تجرد علمي، اتخذ قرار تحول استراتيجي جذري (Pivot) فقرر التخلي عن التعصب لشكل “الدائرة”، وجرب المنحنى البيضاوي (الإهليلجي). فجأة، تطابقت كل الحسابات، وخرجت للنور “قوانين كيبلر للحركة الكوكبية” التي غيرت فهمنا للكون للأبد. لقد كانت لحظة من المرونة الاستراتيجية (Strategic Agility) التي غيرت فهمنا لميكانيكا الأجرام السماوية. كان ويليام كروكس أحد أساتذة الفيزياء اللامعين في نهاية القرن التاسع عشر. وذات يوم لاحظ تضبب لوحات التصوير المحفوظة بدولاب معمله على غير ما هو متوقع. وبدون تردد أمر مساعده بإعادتها للمصنع لضعف جودتها. ولكن المساعد النابه لم يكتف بغض النظر عن هذه الظاهرة الغريبة، بل تعقبها محاولا الوصول لأسباب تضبب هذه اللوحات المحفوظة بدولاب المعمل، ليكتشف أن سبب تضببها هو حفظها بجوار مادة مشعة تطلق نوعا غريبا من الأشعة القادرة على اختراقها والتأثير على مظهريتها. وهكذا اكتشف “فيلهلم كونراد رونتجن” أشعة X التي ما زالت تستخدم إلى يومنا هذا في التصوير الإشعاعي. وهو الكشف الذي قاده ليكون أول الفائزين بجائزة نوبل عام ١٩٠١. قبل أن يغير هنري فورد وجه الكوكب بسيارة “موديل تي” (Model T)، مر بسلسلة من الفشل الذريع. شركته الأولى، “ديترويت للسيارات”، أفلست تماماً لأن فورد ركز على كمال المنتج وتأخر في التسليم، مما أدى إلى استنزاف التدفقات النقدية (Cash Flows). شركته الثانية تركها بعد خلافات حادة مع المستثمرين حول استراتيجية التسعير (الشركة التي أصبحت لاحقاً كاديلاك).
في محاولته الثالثة (شركة فورد للسيارات)، لم ييأس، بل أحدث ثورة في ابتكار العمليات (Process Innovation). هذا الابتكار التشغيلي العبقري أدى إلى خفض زمن تجميع السيارة من 12 ساعة إلى 90 دقيقة، محققاً اقتصاديات التشغيل الكمي (Economies of Scale) التي سمحت له بتصنيع سيارة بسعر في متناول غير الأثرياء. لم يبتكر فورد السيارة، بل ابتكر طريقة تصنيعها، محولاً فشله السابق في العمليات إلى أعظم انتصار صناعي في القرن العشرين. إن الفاصل الدقيق بين من يطويه المجد والنسيان، هو تلك اللحظة الحرجة التي نقرر فيها قراءة الفشل كبياناتٍ حيوية لتصحيح المسار، لا كإشارةٍ نهائية للاستسلام.













