كتب _العين السابق عبد الحكيم الهندي
لا يأتي الأول من أيار كمجرد محطة زمنية عابرة في رزنامة الأيام، بل يشرق كوقفة اعتراف كونية أمام تلك السواعد التي لولا صمودها لظل العالم فكرة ساكنة بلا روح. إن عيد العمال في جوهره ليس مجرد تذكير بمطالب نقابية أو انتصارات تاريخية، بل هو احتفاء بـ “قدسية الفعل” الذي يحول المشقة إلى حياة، والعرق إلى وقود لمحركات الحضارة
ففي كل حجر يُوضع في جدار، وفي كل فسيلة تُغرس في أرض، وفي كل فكرة تُصاغ خلف الأجهزة، يسكب الكادحون قطعاً من أرواحهم وأجزاءً غالية من أعمارهم، ليصنعوا للآخرين عالماً أكثر سهولة وجمالاً
إن العمل في أسمى تجلياته هو فعل تحرر، حيث ينتزع الإنسان كرامته من قلب المعاناة، ويحول تعبه من عبء جسدي إلى قيمة أخلاقية تمنحه مكانه المستحق في سجل البناء الإنساني. نحن هنا لا نحتفي بمجرد قوة عاملة، بل نحتفي بـ “سدنة الوجود” الذين يسبقون الشمس إلى ميادينهم، مؤمنين بأن اليد المتشققة من أثر الكدح هي أطهر صكوك الانتماء للأرض. إن هؤلاء الصامتين في معاملهم، والمرابطين في حقولهم، هم الخيوط الحقيقية التي تنسج ثوب المجتمع، وهم الذين يمنحون المدن صخبها النبيل وحركتها التي لا تهدأ
وإذ يمر هذا العيد، فإنه يحمل معه دعوة عميقة لتجاوز النظرة المادية الضيقة، والانتقال نحو “عدالة التقدير”؛ فالعامل لا يحتاج فقط إلى أجرٍ يكافئ جهده، بل يحتاج إلى انحناءة احترام تليق بحجم الفراغ الذي سيتركه لو كفّت يداه يوماً عن العطاء إن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في أثره، وهؤلاء الكادحون هم أصحاب الأثر الأبقى، وهم الذين يطوعون الفوضى ليخلقوا منها نظاماً، ويطوعون الصعب ليجعلوه ممكناً. تحية ملؤها الفخر لكل من حمل مِعولاً، أو أدار محركاً، أو خطَّ حرفاً، فأنتم لستم مجرد بُناة للمنشآت، بل أنتم الروح التي تمنح هذا الكوكب نبضه، وبكم يظل الغد حلماً قابلاً للتحقق كل عام وأنتم صُنّاع الحياة وحراس الأمل













