بقلم: محمد خالد الزعبي
الأردن
بعيداً عن الأرقام الجامدة في قواميس الاقتصاد، يطلُّ الأول من أيار كـ “ميثاقِ شرفٍ” تُوقعه السواعد التي لم تعرف يوماً لغة التراجع إنه اليوم الذي نعترف فيه بأنّ الحضارة ليست جدراناً صمّاء، بل هي تراكمٌ لزفرات الكادحين، وصمودٌ أسطوريٌّ أمام عناء الأيام نحن لا نحتفي هنا بمناسبةٍ عابرة، بل نُقدّس تلك “الكيمياء الفريدة” التي تُحوّل صَلابة الصخر إلى مآوٍ، وعُتمة المناجم إلى ضياء، ووحشة الحقول إلى سنابلَ تطردُ الجوع عن وجه الأرض
إنّ كلّ مِعولٍ يضربُ الأرض، وكلَّ عينٍ تهرّأت من وهج الشاشات، وكلّ عقلٍ يُدبّرُ هندسة الحياة في المصانع، يكتُبُ فصلاً في كتاب “الخلود الإنساني” فالعمل ليس قيداً، بل هو أعظمُ درجات الحرية؛ حين يرى العاملُ أثره ماثلاً للعيان، يشهدُ بأنّه لم يكن يوماً عابراً، بل كان “المحور” الذي تدور حوله رحى الوجود. إننا هنا بصدد احتفاليةٍ بـ “صُنّاع التفاصيل”؛ أولئك الذين ينسجون برعشةِ أصابعهم وتعبِ أجسادهم أمانَ العالم وطمأنينته
إنّ اليد التي يطبعُ الكدحُ عليها أثرَه ليست مجرد طرفٍ جسدي، بل هي “بوصلةُ القيم”؛ فهي التي تفتتحُ بواباتِ الأملِ مع خيوط الفجر الأولى، وتؤمنُ بأنّ العيشَ بلا أثر هو نوعٌ من الغياب. هؤلاء هم “الأنبياءُ الصامتون” في محراب الإنتاج، الذين يمنحون المدنَ هويتها الصارخة، ويمنحون الصباحاتِ رائحةَ الإنجازِ النبيل
ومع انبلاجِ شمسِ هذا العيد، ينبغي أن تتجاوزَ التحيةُ حدودَ الكلماتِ المكرورة، لتصل إلى “فلسفةِ الاستحقاق” فالعاملُ الذي يستهلكُ عافيتَه ليُقيمَ أركانَ الأوطان، لا ينشدُ هبةً، بل يطلبُ اعترافاً تليقُ عظمته بحجمِ العطاء إنّهم الحالمون الذين لا ينامون إلا ليحرسوا أحلامَنا بإنتاجهم، وهم الذين يطوّعون قسوةَ المادةِ ليرسموا ملامحَ غدٍ أكثرَ رفقاً بالإنسان فسلامٌ على من جعلوا من التعبِ صلاة، ومن العرقِ نسيجاً للكرامة، ومن الصبرِ طريقاً لا ينتهي لإعمارِ الأرض
كلُّ عامٍ وأنتم حجرُ الزاويةِ في بناءِ هذا الكون












