تتردد بين الحين والآخر تحليلات تتحدث عن احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى ضربة نووية محدودة ضد الجمهورية الإسلامية، وكأن هذا الخيار يمكن إدراجه ضمن حسابات مدروسة أو محدودة التأثير. غير أن مثل هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية: السلاح النووي ليس أداة تكتيكية عادية، بل قرار استخدامه يحمل عواقب تتجاوز أي تصور تقليدي للصراع.
في هذا السياق، لا يمكن إنكار وجود تيار متشدد داخل الولايات المتحدة وإسرائيل يدفع باتجاه أقصى درجات التصعيد، ويرى أن الضغط العسكري الهائل، حتى لو بلغ مستويات خطيرة، قد يجبر إيران على الاستسلام. هذا التفكير، وإن كان لا يمثل بالضرورة كل دوائر القرار، إلا أنه يعكس ذهنية تقوم على فرض الإرادة بالقوة، دون تقدير حقيقي لما يمكن أن ينجم عن ذلك من تداعيات.
إن الإقدام على خطوة كهذه لن يكون مجرد تصعيد عسكري، بل نقطة تحول تاريخية تفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها. فحتى ما يسمى بضربة محدودة سيُنظر إليه عالمياً باعتباره كسراً لأحد أخطر المحرمات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما سيؤدي إلى تداعيات سياسية وأخلاقية واستراتيجية عميقة، ليس على المنطقة فحسب، بل على النظام الدولي بأسره.
الأخطر من ذلك أن مثل هذا السيناريو، إذا فُرض بالقوة، لن يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام كما يتوهم البعض، بل قد يدفع نحو نتيجة معاكسة تماماً. فبدلاً من رفع الراية البيضاء، قد تتجه الأمور نحو السعي الحثيث لتوفير أدوات الرد بالمثل، وتعزيز قدرات الردع بكل الوسائل الممكنة. وهنا تتحول الأزمة من محاولة إخضاع طرف، إلى سباق خطير نحو توازنات أكثر حدة وتعقيداً.
من الناحية الواقعية، تدرك القوى الكبرى أن استخدام السلاح النووي، حتى بشكل محدود، قد يجر ردود فعل غير قابلة للاحتواء. فالتصعيد قد لا يبقى ضمن حدود مرسومة، بل يمكن أن ينفتح على احتمالات أوسع، سواء عبر ردود مباشرة أو غير مباشرة، أو من خلال انزلاق أطراف أخرى إلى دائرة المواجهة. وفي عالم مترابط، فإن أي انفلات من هذا النوع سيؤثر على الاستقرار العالمي بأكمله.
كما أن هذا السيناريو يضع من يقدم عليه أمام عزلة دولية غير مسبوقة، ويفتح الباب أمام سباق تسلح أخطر، حيث ستسعى دول أخرى إلى امتلاك وسائل ردع مماثلة خشية أن تكون الهدف التالي. وهكذا، فإن قراراً واحداً قد يعيد تشكيل خريطة الأمن العالمي بطريقة لا يمكن التحكم بها.
إن الحديث عن ضربة نووية محدودة يعكس تبسيطاً مفرطاً لواقع معقد، وربما قدراً من الحماقة في تقدير النتائج عند من يدعو لذلك. فالتاريخ يثبت أن القرارات الكبرى التي تُبنى على وهم السيطرة الكاملة كثيراً ما تخرج عن نطاق التوقعات، وتدخل العالم في دوامات يصعب الخروج منها.
في النهاية، يبقى القلق مفهوماً، لكن قراءة المشهد بعمق تكشف أن الانزلاق نحو هذا الخيار ليس قراراً سهلاً، لأن عواقبه لن تكون موضعية أو مؤقتة، بل شاملة وعميقة. ومن يظن أن بإمكانه فرض الاستسلام عبر هذا الطريق، قد يجد نفسه أمام واقع أشد تعقيداً، حيث تتحول الحماقة إلى أزمة لا يمكن احتواؤها.
بقلم جليل هاشم البكاء













