كتبت : أم عبدالوهاب
التجاذب
هنالك—حيثُ يتوارى المعنى إن لم يتّسق—
ينشأ تجاذبٌ خفيٌّ بين الروح والعقل،
تجاذبٌ لا يُرى، لكنّه يُغرق الكيان في تيهٍ عاطفيّ،
تمتدّ صحاريه من شجنٍ لا ينتهي،
وتتحرّك رماله في مدارات إحساسٍ مضطرب.
بين الروح والعقل
خيطٌ مشدودٌ على هاوية،
كلّما ظننتُه استقام
مال…
وألقى بي في التيه.
حالةٌ تتقلّب كطقسٍ داخليٍّ عاصف،
تُنازع النفسَ زمنَ الفقد،
وتصطلي بلهيب صراعٍ لا يخبو،
نارٌ لا تُرى،
لكنّها تحرق في العمق كلَّ ما توارى،
وكلَّ وجعٍ احتمى بصمت اللحظات.
كأنّ اليأس قد ألقى بثقله على قلبٍ
أرهقته الهشاشة،
وأثقلته رهافة التكوين.
أخمد أحيانًا…
أو هكذا أظن،
لكنّ الجمرة لا تموت،
إنّها تتقن الانتظار.
تنتفض تلك الرهافة إذا شدّتها الشجون،
ويوقظها سهدُ الحنين،
فتتسرّب الآهات من بين شقوق الصمت،
زفراتٍ مثقلةً بما لم يُقَل.
كأنّ البركان الكامن في الأعماق يبدأ بالانبعاث؛
تغلي طبقاته الخفيّة،
وتنبش حرارته أرضًا رخوةً
أوهنها تشتّتٌ طويلُ الكتمان،
فتتصاعد الأبخرة،
ثم تنفجر حممًا من وجعٍ متراكم،
تتناثر شظاياه في مساحات الروح.
ويمتدّ الدخان—
رماديًّا، كثيفًا—
يلتصق بالملامح،
يطمس وضوحها،
ويحجب الرؤية عن ذاتٍ
لم تعد ترى نفسها كما كانت.
سحاباتٌ تتكاثف،
تغمر كلّ ادّعاءٍ للتماسك.
فينهار الجدار—
ذلك الذي ظُنّ صلبًا—
ويتبيّن هشاشته،
إذ لم يكن سوى قشرةٍ من تصلّب،
تخفي هيكلًا
أُقيم على أعمدة ضعفٍ صامت.
يناديني:
عُد…
إلى حيثُ كنتَ كاملًا.
لكن—
أين ذلك المكان؟
أقول: سلامٌ…
وأُشيّع سلامًا
لشيءٍ
لم يعد يعود.
أمدّ يدي
نحو اتّساقٍ غائب،
فلا أقبض
إلا على الفراغ.
هكذا أنا—
معلّقٌ بين عقلٍ يشدّني،
وروحٍ تفرّ بي،
لا أنا وصلتُ،
ولا أنا نجوت.
وحين تضيق المسافة بين الصبر والانكسار،
يشتدّ ذلك التجاذب العميق بين الروح والعقل،
كنسمةِ سَحَرٍ طال سهرها…
آهٍ من هذا التبعثر…
آهٍ
تتردّد
ولا تنتهي.













