بقلم: احمد المالكي رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
تواصل الولايات المتحدة ضرباتها المحدودة على إيران مع تهديدات ترامب بتدمير إيران،وفي نفس الوقت تصر إيران على مطالبها،وترفض التهديدات الأمريكية،مع الرد على هجمات الولايات المتحدة عليها،في دول الخليج والأردن،بالإضافة إلى استهداف ناقلة نفط سعودية.التصعيد بهذه الطريقة يجعلنا نتساءل حول مدى فشل الدبلوماسية والعقوبات في إيقاف هذه الحرب؟.
بالطبع الدبلوماسية المطروحة اليوم لم تعد تلبي طلبات إيران والتي يراها بعض المراقبين مبالغ فيها،وأنها قد لا تتحقق بالفعل،بالإضافة إلى غياب الثقة من الجانبين الإيراني،والأمريكي.خاصة أن الولايات المتحدة أعلنت أنها لم تعد ترغب في التفاوض مع إيران أو التحدث معها،برغم الرسائل المتبادلة بين الطرفين عبر الوسطاء.وهذا يؤكد أن الدبلوماسية في الوقت الحالي لم تعد مطروحة،ويلجأ الطرفين إلى أسلوب إظهار قدراتهما على البقاء.وانهما لم يتأثر ا بما حدث منذ بداية الحرب في فبراير الماضي.ورغم تأثر الطرفين في هذه الحرب يصر كل طرف على التمسك بشروطه ومحاولة إخضاع الطرف الآخر.
ترامب يرى أن الحلول العسكرية مازالت قائمة بجانب الحصار الاقتصادي،والعقوبات الاقتصادية على إيران.مع تأكيد على السيطرة على مضيق هرمز.في نفس الوقت إيران تقاوم العقوبات الاقتصادية عليها رغم ارتفاع التضخم وتأثر الاقتصاد الإيراني بهذه العقوبات مع سخط شعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيش فيها المواطن الإيراني.ترامب يرى أن العقوبات الاقتصادية جعلت إيران ضعيفة وغير قادرة على البقاء لفترة طويلة لأنها تأثرت من العقوبات.الداخل الإيراني في السلطة الإيرانية انقسامات حول من يؤيد اللجوء والعودة إلى التفاوض،وبين من يرى أن هذه الحرب لابد من استكمالها وأن الولايات المتحدة يجب أن تدفع الثمن.انقسام في إيران وانقسام في الولايات المتحدة حول هذه الحرب أيضا.لكن ترامب اليوم يريد أن تظل هذه الحرب قائمة ويرى أنه انتصر على إيران مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس الأمريكي من أجل تصدر حزبه المشهد الانتخابي.
ترامب خسر هذه الحرب وإيران خسرت أيضا هذه الحرب ولا احد رابح في هذه الحرب حتى اليوم.لكن الخاسر الأكبر في هذه الحرب دول المنطقة،وايضا الاقتصاد العالمي الذي تأثر بسبب هذه الحرب.لكن ما يحدث اليوم من محاولة ترامب البقاء في هذه الحرب وتحقيق أهداف منها قد يؤدي إلى توسع هذه الحرب،لأن اليوم هناك حالة عدم استقرار في عدد من الجبهات الساخنة مثل اليمن ولبنان في تحركات المليشيات الإيرانية على الأرض لرفع الضغط من على النظام الإيراني الذي يتعرض إلى أسوأ حصار اقتصادي وعسكري طوال تاريخه،وإيران ارسلت تحذيرات لواشنطن في حالة استهداف اسرائيل بلدة علي الطاهر في لبنان.خاصة أن هذه البلدة بحسب المعلومات المنشورة في الصحف اللبنانيه هي المركز المالي لحزب الله وإيران وهي مخزن الأموال التي تمول بها إيران حزب الله وهناك أسرار تخص حزب الله،ربما لم يكشف عنها إلا في حينه.ايران لاتمتلك ورقة مضيق هرمز فقط هناك أوراق ضغط أخرى في يد إيران،بالإضافة إلى أن إيران في حالة تنفيذ ترامب تهديداته وتوسيع ضرباته على إيران،واستهداف البنية التحتية،سوف ترد إيران على هذه الضربات بتوسيع ضرباتها على البنية التحتية لدول الخليج وتستهدف المنشآت الاقتصادية، والتجارية الكبرى ،الدول الأخرى التي يوجد بها القواعد الأمريكية ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط.خاصة أن الدول الأوروبية وصلتها تهديدات من إيران اليوم باستهداف الولايات المتحدة في القواعد العسكرية الأوروبية،وايضا استهداف مراكز عسكرية أوروبية،وشخصيات سياسية أوروبية تدعم ترامب في الحرب على إيران.الخطر لن يطول منطقتنا فقط بل يمتد إلى العالم. أيضا استمرار الضغوط الاقتصادية عليها سوف يجعلها في حالة جاهزية هجومية وهذا ليس خافيا على أحد الحرس الثوري الإيراني أعلن أنه مستعد للهجوم وليس الدفاع فقط.
الولايات المتحدة تتعامل بعدم عقلانية وعدم احتواء للتوتر بشكل جاد،ويصل الأمر أحيانا إلى سخرية ترامب،وإعلانه أن المضيق جزء من الأراضي الأمريكية،وتظهر خرائط مكتوب عليها مضيق هرمز أرض امريكية بالإضافة إلى أن ترامب بسخرية أيضا اعلن أنه سوف يغير اسم مضيق هرمز إلى مضيق ترامب.
دول المنطقة تحاول الضغط على الولايات المتحدة من أجل العودة إلى الحوار والدبلوماسية،والعودة إلى مذكرة التفاهم،مع إصرار أمريكي على المضي قدماً في استراتيجية العقوبات الاقتصادية التي لن تتحقق بالطريقة التي يريدها ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت مع وجود دول اخرى تتعامل مع إيران ولا تعترف بهذا الحصار الاقتصادي على إيران.الصين ترفض العقوبات وترى أن الحوار السبيل الوحيد، ولذلك الولايات المتحدة تعلم أن العقوبات الاقتصادية لن تتحقق مع إيران كما هو مخطط لها .
باكستان وقطر وعمان يعملون من أجل عودة الطرفين إلى الحوار والدبلوماسية ،وأن تقديم الطرفين تنازلات سوف يكون افضل من توسيع الحرب التي سوف يدفع كلفتها الجميع،وهذا يتطلب بذل مزيد من الجهود الإقليمية والدولية للعمل على إعادة الطرفين إلى الطاولة مرة أخرى.
إيران تريد أن تستغل هذه الحرب وتحقق شروطها من رفع العقوبات عليها ورفع التجميد المفروض على الأموال والأصول الإيرانية والانسحاب الأمريكي من مضيق هرمز والمنطقة،مع معاملة إيرانية جديدة لمضيق هرمز بتحصيل الأموال من السفن العابرة في المضيق.
الولايات المتحدة اختارت العقوبات الاقتصادية والحصار البحري على إيران مع استهداف محدود لإيران في حالة وجود تحركات عسكرية مريبة لاستهداف القوات الأمريكية،وأي محاولة لزرع الألغام في مضيق هرمز.
القرار الإيراني اليوم في حالة انقسام هناك معسكر الرئيس الإيراني بزشيكان وقاليباف رئيس البرلمان الإيراني ورئيس هيئة التفاوض الإيرانية،وهناك معسكر محسن رضائي رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وأحمد وحيدي قائد الحرس الثوري.كل معسكر يرى وجهة نظر مختلفة تؤكد أن الانقسام داخل مؤسسات صنع القرار في إيران لن يخدم إيران في هذه الحرب مع شعب يعاني بسبب غياب أي أفق للحل يمكن أن يعطي ضوء في نهاية النفق المظلم.
معسكر رضائي وغيره من المتشددين يواصلون تصريحاتهم التي تستفز الإيرانيين قبل الولايات المتحدة،ويبدو أن هذا المعسكر يرى أن اللجوء للدبلوماسية أدى إلى اهانة إيران،وأن رؤيتهم كانت الصواب في مواجهة الولايات المتحدة،بسبب عدم التزام الولايات المتحدة بأي إتفاق مع إيران منذ عام ٢٠١٥وليس اليوم فقط.بينما يظل معسكر بزشيكان يرى أن إيران حققت نصرا عسكريا ودبلوماسيا وأن التفاوض اليوم من منطلق قوة ويفضل التفاوض اليوم بدلاً من الغد الذي قد يكون غامضا ،ويرى أن إيران فرضت عليها هذه الحرب وعليها التكيف مع هذه الحرب.
إيران اليوم ليست إيران في عهد خامنئي الأب كانت موحدة في قراراتها لكن اليوم هي أضعف من السابق، لكن مازالت لها مخالب يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الفوضى والتدمير في المنطقة. الولايات المتحدة تتوعد إيران بالتدمير وأنها لن يبقى منها إلا القليل.في الوقت نفسه إيران تهدد دول المنطقة،وهذا ينذر بكارثة كبرى تحتاج إلى مزيد من الضغوط على الطرفين للبقاء في حالة ضبط النفس والاستهداف المحدود الذي لايخرج عن كونه تراشق في إطار نطاق إظهار القوة.اما توسيع الحرب سوف تجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدولية في هذه الحرب، وسوف تكون الكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكريا أكبر.
الحل في تعاون إقليمي، وتشاور،وتنسيق مع إيران، ووضع إتفاق جديد بين إيران ودول المنطقة يضمن أمن جميع الأطراف مع الضغط على الولايات المتحدة بعدم توسيع نطاق دائرة الصراع ،والعودة إلى الحوار والدبلوماسية مع إيران،للتوصل إلى تفاهمات افضل وأقرب تؤدي في النهاية إلى حل الأزمة وتضمن أمن واستقرار المنطقة والعالم.












