بقلم: أ. إيمان حسن فاروق _ أخصائية التخاطب وتنمية مهارات وفني تحليل سلوك
في عمق كل بيت يضم بين جدرانه بطلاً من ذوي الهمم تدور رحلة يومية مفعمة بالحب والتحدي. يمر العمر ويكبر الصغير ويبقى السؤال الذى يتردد صداه في قلوب الأمهات والآباء .. سؤال يغلفه القلق ويحركه الحب الجارف .. “ماذا سيحدث لهم عندما لا نكون هنا؟” هذا السؤال ليس مجرد خوف عابر، بل هو “الهاجس الأكبر” الذي يؤرق كل ولى أمر . ومن هنا تولد الحقيقة التي لا مفر منها .. وهى أن الرعاية المؤقتة لم تعد كافية، بل إن التمكين وبناء استقلالية المستقبل هما طوق النجاة الحقيقي.
فكيف ننتقل من “الرعاية” إلى “التمكين” ؟
لفترات طويلة، كان التعامل مع ذوي الهمم ينطلق من منظور “الرعاية والشفقة” أي تلبية الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس. لكن أولياء الأمور اليوم باتوا يدركون أن هذه الرعاية رغم ضرورتها قد تتحول إلى قيود إذا لم تقترن بالتمكين الذى يعنى “تفكيك الاعتمادية” . أن ننتقل بالابن أو الابنة من مقعد “المستقبِل للمساعدة دائماً” إلى مقعد “المشارك والمسيطر على تفاصيل حياته” قدر المستطاع. إنها عملية تبدأ بخطوات بسيطة داخل المنزل وتنتهي بفتح أبواب المجتمع بأسره. وهنا لابد أن نعي جيدا أن
الوصول إلى الاستقلالية ليس كبسة زر، بل هو مضمار طويل يتطلب تضافر الجهود عبر مسارات أساسية:
مهارات الحياة اليومية (الاستقلال الذاتي): يبدأ التمكين من تفاصيل صغيرة؛ قدرة الطفل على ارتداء ملابسه، تناول طعامه، والاهتمام بنظافته الشخصية. استخدام استراتيجيات مثل “تحليل المهام” (تفكيك المهارة المعقدة إلى خطوات صغيرة متتالية) يمنحهم شعوراً هائلاً بالإنجاز والثقة.
التأهيل المهني الحقيقي: التعليم الأكاديمي ممتاز، لكن التأهيل المهني القائم على دراسة قدرات الشاب وشغفه هو الذي يفتح له باب سوق العمل. يحتاج المجتمع إلى التحول من خانة “توظيف ذوي الهمم كإجراء شكلي” إلى “استثمار طاقاتهم” في وظائف تناسبهم وتحقق لهم دخلاً مادياً مستقلاً.
الأمان المالي والقانوني: يتضمن هذا الجانب التخطيط الذكي من الأهل ، والوصاية القانونية وغيرها .
فالخوف من المستقبل أمر طبيعي وإنساني للغاية، لكن الاستسلام له قد يؤدي إلى “الحماية الزائدة” التي تضر الأبناء أكثر مما تفيدهم. الحل يكمن في تحويل هذا الهاجس إلى “خطة عمل”.
عندما يتدرب الشاب على اتخاذ قراراته الخاصة، وعندما يتعلم كيف يعبر عن رفضه وقبوله، وعندما يملك مهارة أو حرفة يتكسب منها، فإن الأهل لا يضمنون له مستقبلاً آمناً فحسب، بل يهدون للمجتمع إنساناً فاعلاً وقادراً على الصمود. رسالة إلى كل ولي أمر
إن استقلالية ابنك لا تعني تخليك عنه، بل هي أسمى صور حبك له. إنها إيمانك الكامن بأن قدراته، مهما بدت محدودة في عيون البعض، هي طاقة قادرة على صنع فارق في حياته. رحلة التمكين شاقة، وتحتاج إلى صبر لا ينفد، لكن رؤية ابنك وهو يخطو بثقة نحو المستقبل، معتمداً على سواعده، هي الجائزة الكبرى التي ستجعل قلوبكم تطمئن، وتنام أعينكم قريرة، موقنين بأنكم أديتم الأمانة، وتركتم وراءكم أثراً لا يمحوه الغياب.













