بقلم: د. زبير بن سلطان رباني
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
حين يقترب العيد في كثير من مدن العالم، تمتلئ البيوت بأصوات اللقاءات، وروائح الطعام، ودفء العائلة، وتتحرك الذاكرة الجماعية للشعوب نحو معاني الفرح والسكينة والانتماء.
وفي الجهة الأخرى من العالم، يمتد مشهد مختلف تختلط فيه الخيام بالحنين، والممرات الطينية بذاكرة البيوت البعيدة، وتغيب فيه ملامح الاستقرار خلف سنوات طويلة من اللجوء والانتظار.



هناك، في المخيمات والتجمعات الفقيرة الممتدة عبر بنغلاديش وماليزيا والهند وتايلاند ومناطق اللجوء المختلفة، يستقبل الروهنجا العيد بقلوب مثقلة بالفقد، وبحياة تتقاطع فيها الغربة مع الحرمان والترقب الطويل.
فالعيد الذي يصل إلى كثير من الناس محاطًا باللقاءات والطمأنينة، يصل إلى هؤلاء محمّلًا بصور البيوت التي احترقت، والقرى التي اختفت، والعائلات التي تفرقت بين المنافي والحدود والبحار.
ولهذا تمثل مأساة الروهنجا واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلامًا في العصر الحديث؛ لأنها تختصر حكاية شعب اقتُلع من أرضه، وحمل ذاكرته فوق كتفيه، وعاش سنوات طويلة بين اللجوء والخوف وانتظار المستقبل.

فهذا الشعب خرج من أرض عُرفت باسم «أركان»، تلك المنطقة التي حملت عبر قرون طويلة حضورًا إسلاميًا وثقافيًا متجذرًا، قبل أن تتحول بفعل سياسات الإقصاء والتهجير والمذابح إلى جرح مفتوح في ذاكرة أمة كاملة.

وقد أشارت دراسات تاريخية متعددة إلى أن أركان شكّلت موطنًا لهوية حضارية وإنسانية ممتدة، وكان للرُّوهنجا حضور اجتماعي وثقافي واضح فيها قبل أن تبدأ مراحل التضييق والاقتلاع المنظم.
ثم جاءت السنوات القاسية التي تبدلت فيها حياة الناس بصورة مأساوية؛ إذ تمددت حملات القتل والحرق والتهجير، واتسعت معها محاولات محو الذاكرة وتشويه الانتماء التاريخي لهذا الشعب، حتى صار الروهنجا يحملون معاناتهم أينما ذهبوا.
ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة اللجوء الطويل.
رحلة خرج فيها الناس من قراهم مذعورين، يحمل بعضهم أطفاله، ويحمل آخرون ما بقي من ذكرياتهم، بينما كانت القرى تختفي خلف الدخان والنيران.
وتحولت حياة الآلاف بعد ذلك إلى انتظار دائم:
انتظار الطعام،
وانتظار الأمان،
وانتظار الاعتراف،
وانتظار العودة التي ما تزال معلقة بين المصالح السياسية والحسابات الدولية.
وحين يصل العيد إلى تلك المخيمات، تستيقظ الجراح القديمة دفعة واحدة.
فالطفل الذي يسمع الناس يتحدثون عن فرحة العيد يعرف الخيام أكثر مما يعرف البيوت، ويعرف طوابير المساعدات أكثر مما يعرف الأسواق وألعاب الطفولة.
والأم التي كانت تعد الطعام في بيتها بأركان، تقضي ساعات طويلة في محاولة توفير ما يسد جوع أطفالها في أرض اللجوء.
أما الأب الذي كان يملك أرضًا أو عملًا أو حياة مستقرة، فقد صار يطارد فرصة عمل مؤقتة، أو ينتظر معونة محدودة، أو يبحث عن مساحة تمنحه قدرًا من الأمان.
وفي كثير من أماكن اللجوء تعيش أسر كاملة في تجمعات مهمشة وأطراف مدن مزدحمة تفتقد مقومات الاستقرار، ويمر العيد على بعض العائلات دون لحم، ودون لباس جديد، ودون شعور كامل بالأمان والانتماء.
ومع مرور السنوات تحولت المأساة من حدث طارئ إلى حياة يومية ممتدة.
كبر الأطفال داخل الخيام،
وامتدت المنافي،
وتراكمت الخسارات عامًا بعد عام،
حتى بدا وكأن العالم اعتاد التعايش مع هذه المأساة الطويلة.
وبينما تتحرك الملفات السياسية ببطء، يبقى الروهنجا عالقين في مساحة ضبابية بين البقاء المؤقت والانتظار المفتوح.
فالعالم الذي يمتلك قدرة هائلة على عقد المؤتمرات وإصدار البيانات وبناء التقارير ما يزال يترك شعبًا كاملًا موزعًا بين المخيمات والمهاجر والحدود، يحمل خوفه فوق كتفيه، ويترقب مستقبلًا أكثر وضوحًا ورحمة.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، تحولت القضية عند بعض الجهات إلى ملف سياسي وإعلامي يُستثمر بحسب الظروف والمصالح، بينما تضيع الحقيقة الإنسانية وسط زحام الأرقام والصور الموسمية العابرة.
لكن الحقيقة الأكثر وضوحًا تبقى أن داخل هذه الخيام بشرًا حقيقيين.
أمهات يخفين دموعهن حتى لا يزداد الأطفال خوفًا،
وأطفالًا ينتظرون لقمة العيد بوجوه أنهكها الحرمان،
وشيوخًا يحملون ذاكرة وطن كامل وهم يشعرون أن أعمارهم تمضي بعيدًا عن أرضهم الأولى،
وشبابًا تحولت سنوات حياتهم إلى انتظار طويل بين المخيمات والمنافي.
وهنا تتجاوز المأساة حدود الجوع والفقر إلى مستوى أشد عمقًا؛ إذ تتحول حياة الإنسان مع مرور الزمن إلى روح متعبة تتآكل تحت ضغط اللجوء الطويل والإهمال المتكرر والحياة المؤقتة التي امتدت حتى أصبحت عمرًا كاملًا.
كم طفلًا وُلد في المنافي قبل أن يرى وطنه؟
وكم شابًا كبر وهو يسمع عن أركان كما تُروى الحكايات البعيدة؟
وكم أم تستقبل العيد بقلب ممتلئ بالخوف على مستقبل أطفالها؟
وكم أب يحمل شعورًا ثقيلًا بالعجز وهو يرى أسرته تكبر وسط هذا الانتظار الطويل؟
وتبقى الغربة واحدة من أكثر التجارب قسوة حين يشعر الإنسان بأن العالم يتحرك من حوله بينما تظل قضيته معلقة بين الصمت والنسيان.
وفي كثير من الأحيان تمتد معاناة الروهنجا إلى ما هو أبعد من الجوع وضيق المخيمات؛ إذ تحمل حياة المنافي الطويلة صورًا ثقيلة من الانكسار والإهانة اليومية التي يواجهها بعضهم في بلدان اللجوء المختلفة.
فضيق فرص العمل، والهشاشة الاجتماعية، وضعف الحماية القانونية، وحياة الترحال والانتظار، دفعت كثيرًا من الأسر إلى مواجهة أشكال موجعة من الاستضعاف وسوء المعاملة والاستغلال، حتى صار بعض الروهنجا يعيشون خوفًا دائمًا من المستقبل وقلقًا مستمرًا من المجهول.
ويكبر بعض الأطفال وهم يسمعون كلمات التمييز أكثر مما يسمعون كلمات الاحتواء، بينما يحمل كثير من الشباب شعورًا مرهقًا بأنهم عالقون بين وطن فقدوه، وعالم يبحثون فيه عن الكرامة والاستقرار والانتماء.
ولهذا تحمل مأساة الروهنجا بعدًا أعمق من مجرد اللجوء؛ إذ تتحول الحياة تدريجيًا إلى رحلة بحث طويلة عن الأمان الإنساني والشعور الطبيعي بالكرامة والانتماء.
ومع ذلك، تبقى في حياة هذا الشعب قدرة مدهشة على الصبر والبقاء.
فداخل تلك المخيمات يحفظ بعض الأطفال القرآن،
ويتعلّم آخرون رغم قسوة الظروف،
وتظل الأرواح متعلقة بالأمل رغم تراكم الخسارات.
وكأن الروهنجا يحملون في داخلهم بقايا وطن كامل ما تزال حيّة في الذاكرة، تقاوم الذوبان وسط الخيام والمنافي الطويلة.
ولهذا بقيت كلمة «العودة» حيّة في وجدانهم:
العودة إلى الأرض،
والعودة إلى البيوت،
والعودة إلى الأسماء القديمة التي حاولت المذابح والسياسات القاسية محوها من الذاكرة.
ومن هنا تحتاج قضية الروهنجا إلى ضمير إنساني حي، وإلى وعي أخلاقي يرى الإنسان قبل السياسة، ويرى المأساة قبل المصالح.
ففي زمن تتسارع فيه الأخبار وتمتلئ الشاشات بالمشاهد العابرة، تتحول بعض المآسي مع كثرة تكرارها إلى صور معتادة تخف معها قدرة الناس على التفاعل الحقيقي.
غير أن الأطفال الذين ينتظرون لقمة العيد في المنافي يحملون وجعًا حقيقيًا،
والأمهات اللواتي يبكين بصمت داخل الخيام يعشن خوفًا يوميًا طويلًا،
والشعوب التي اقتُلعت من أوطانها تحمل جراحًا تمتد لسنوات وعقود.
ولهذا يحتاج العالم إلى مراجعة ضميره الإنساني وهو يشاهد شعبًا كاملًا يعيش بين الخيام والمهاجر منذ سنوات طويلة، يحمل ذاكرة وطن مفقود، ويحاول الحفاظ على إنسانيته وسط هذا الركام.
ويظل العيد، رغم كل شيء، نافذة صغيرة للأمل.
أمل يقول إن الرحمة ما تزال قادرة على الوصول إلى القلوب،
وإن الكلمة الصادقة تستطيع أن تخفف شيئًا من ثقل النسيان،
وإن لقمة صغيرة أو التفاتة إنسانية قد تعيد إلى المنسيين بعض شعورهم بأن العالم ما يزال يتذكرهم.
فربما كان أكثر ما يرهق الروهنجا اليوم شعورهم بأن مأساتهم تتحول مع مرور الزمن إلى مشهد مألوف، بينما يبقى الوجع الحقيقي مختبئًا خلف تلك الخيام الصامتة.












